حبة الحنطة يجب أن تموت حتى تعطي ثمرًا - يوحنا ١٢: ٢٤-٢٦
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس
٢٤الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض، إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإِذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَرًا كثيرًا. ٢٥ مَن أَحَبَّ حياتَه فقَدَها، ومَن رَغِبَ عنها في هٰذا العالَم حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة. ٢٦مَن أَرادَ أَن يَخدُمَني، فَلْيَتْبَعْني، وحَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي، ومَن خَدَمَني أَكرَمَه أَبي".
الحرب. اليوم ٣٠٩
اللَّهُمَّ خَلِّصْني، فإِنَّ المِياهَ قد بَلَغَت حَلْقي. غَرِقتُ في مُوحِلٍ عَميقٍ ولا مُستَقَرّ، بَلَغتُ إِلى قَعرِ المـِياهِ والسَّيلُ غَمَرَني. عَييتُ في صُراخي والتَهَبَ حَلْقي، وكَلَّت عَينايَ مِنِ انتِظاري لإِلٰهي" (مزمور ٦٩: ٢-٤).
ارحمني، يا رب. "غَرِقنا في مُوحِلٍ عَميقٍ ولا مُستَقَرّ، ولا من ينتشلنا منه. بَلَغْنَا إِلى قَعرِ المِياهِ والسَّيلُ غَمَرَنا". غمرنا وَحْلُ الحرب، ووحل الكوارث، ووحل اللاإنسانية. لا شيء يخرجنا من المـُوحِل الذي نحن فيه. أهل الحرب عنيدون، يريدون إبادتنا. هذا صحيح. قال أحدهم: نقتل المليونين بالجوع. هذا ما يحدث. وبتسميم الأجواء، بأطنان النفايات المتراكمة بين البيوت، وانتشار الأوبئة والأمراض. الخدمات العامة شبه معدومة... لا شيء يمنع من غرقنا في وحل الموت. لا شيء يخلِّصُنا. ربَّنا، أبانا، هل تتركنا أنت أيضًا؟ خلِّصْنا، يا رب، من فم الأسود المفترسة. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم
"الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِنَّ حَبَّةَ الحِنطَةِ الَّتي تَقَعُ في الأَرض، إِن لَم تَمُتْ تَبقَ وَحدَها. وإِذا ماتَت، أَخرَجَت ثَمَرًا كثيرًا" (٢٤).
حبة الحنطة يجب أن تموت حتى تعطي ثمرًا. ومثل حبة الحنطة، أنا أيضًا، أموت لأعطي ثمرًا. أموت لأحيا. كيف يمكن أن يكون هذا؟ نعيد سؤال نيقوديمس على يسوع. كيف نموت؟ أي نوع من الموت؟
الخطيئة فينا يجب أن تموت. هذا واضح. كل شوق إلى كل ما ليس الله، يجب أن يموت. الأنا فيَّ، كل ما يحملني إلى غير الله، كل رفض للقريب، يجب أن يموت.
أزهد بنفسي، ويبقى فيَّ الحُبّ ليسوع ولإخوتي، هذه هي الحياة. أموت لأحيا مثل حبة الحنطة. كل نهاري هو لهذا: أموت لأحيا. كل انحراف في الذهن أو القلب، كل كراهية، كل رفض لكل أخ أو أخت، كل شوق إلى الأرض يمنع الشوق إلى الله، ويُحدِثُ ظلمة في قلبي، ويميت هبة الله فيَّ، كل هذا يجب أن يموت، حتى أجد الحياة.
"مَن أَحَبَّ حياتَه فقَدَها، ومَن رَغِبَ عنها في هٰذا العالَم حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة" (٢٥). أُحِبّ الحياة، معناه أطلب الموت لأمور كثيرة هي عائق أمام الحياة، ليست من حياة الله.
حياة الله فيّ. هل هذا ممكن؟ مع كل شرور البشرية في البشرية، وفيَّ أيضًا؟ هل هذا ممكن؟ بما أن الله يدعونا إلى حياته الإلهية، يدعونا إلى أن نقوم من موتنا كل يوم، هذا يعني أن الأمر ممكن. الله يعطي. فالمستحيل يصير ممكنًا. أقدر أن أموت لأحيا، أقدر أن أحرِّر نفسي من كل موت فيَّ، أو حولي. أقدر، بما أن الله يدعوني، ويعطيني القدرة لأن أحيا حياته، لا حياة أنانيتي: هو الحيّ فيَّ، فأحيا أنا وأعطي ثمرًا لكل إخوتي وأخواتي.
"مَن أَرادَ أَن يَخدُمَني، فَلْيَتْبَعْني. أومن بيسوع؟ أنا مسيحي؟ إذن أتبع يسوع. أخدم يسوع، أقتدي بيسوع، وأرافقه في كل الدروب.
"حَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي". خادم يسوع، مسيحي، إذن أنا معه، أكون حيث يكون هو. ما يرى يسوع، وما يشتاق إليه يسوع، في حياته الأرضية وفي حياته الإلهية. في كل دقائق حياتي، في كل نشاطاتي، أنا خادم ليسوع، وأكون حيث يكون هو، ومعه في نور الآب. وعندما أنحرف، عندما أضيع في هموم الأرض وانشغالاتها، أتذكر كلمة يسوع: "حَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي".
أكون مسيحيًّا، كاهنًا أو مكرسًا أو مؤمنًا علمانيًّا، يعني أكون حيث يكون هو. مع يسوع، في نوره، في كل لحظة، في كل ظرف.
ربي يسوع المسيح، أعطني أن أفهم ما معنى أن أموت لأحيا. أعطني أن أتبعك، أنت، وأن أكون معك، ومثلك، وحيًّا بحياتك. آمين.
السبت ١٠/٨/ ٢٠٢٤ بعد الأحد ١٨ من السنة/ب






