الكبار لا يرحلون؛ وقفات في حياة أبي جبور
الكاتب : جوني منصور
لستُ بصدد كتابة رثاء عن أبي جبور، بقدر ما أريد ان أبرز عددًا من الأمور، التي من الضروري الوقوف عندها في حياة الراحل الكريم.
كان ذلك في أيلول من العام 1979، عندما رافقتني مجموعة من المتطوعين الأجانب، أمريكيين في غالبيتهم، لزيارة "بيت الأمل" في شفاعمرو، لمجرد أنهم سمعوا عنه. وفي حقيقة الأمر كنت مثلهم تمامًا، بالرغم من أن شفاعمرو لا تبعد عن حيفا سوى 20 كيلومترًا.
استقبلنا الأستاذ الياس جبور ببشاشة وترحيب لم أعرف طيلة عمري شبيهـًا له. اختار الكلمات الترحيبية التي غاب بعض منها عن قاموس حياتنا اليومية، وكل ذلك بالإنجليزية الواضحة كلامًا وأفكارًا. وطال حديثه عن أهمية وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، وعلاقته بها، وسعيه إلى تثبيت وجوده بالرغم من الشدائد والمصاعب التي تعرّض لها ولا يزال.
الشعب الفلسطيني بالرغم من سرقة أرضه ونهبها وسلبها المتواصل، إلاّ أنّه يمد يده للسلام. هنا باب القصيد. فكيف يكون ذلك؟ ودار نقاش متشعب بين الحضور وبينه، وكان دائمًا يقول، أريد حقّي، ولا أرفض أنْ نعيش معًـا.
ماذا تعلمتُ من هذا الموقف؟ رجل يدعو إلى السلام الحقيقي والواقعي، المؤسّس على قناعات ذاتية، ومصالحة مع النفس، وعيش مشترك بعد إصلاح صفحة التاريخ. ومن هنا بدأت علاقتي بأبي جبور، بلقاءات متكررة حول مفاهيم المصالحة والعيش المشترك، وتقبُّل الآخر. وأدركت كيفية تعامله مع هذه المفاهيم على أرض الواقع.
بعد سنوات قليلة من بداية توطيد العلاقات بيننا، بادرت إلى وضع دراسة مستفيضة عن المطران حجّـار، فكان أبو جبور خير موجّه ومساعد في تخطيط مشروع الكتاب، ومراجعة موادّه تدريجيًّا، إلى أنْ أخرجته إلى النور، ولاقى رواجًا لا مثيل له في منتصف الثمانينيات. ولمّا أحيينا ذكرى مرور نصف قرن على رحيل الحجّار، ساهم المرحوم أبو جبور في كتابة فصل مُطوّل ومشوِّق عن الحجّار، وعلاقاته مع زعماء وشخصيات سياسية فلسطينية في الوطن وخارجه. تمّ نشره في كتاب لهذه المناسبة.
موقف ثالث أرغب كثيرًا في التحدث عنه، وهو أنّني رتّبت عدّة لقاءات معه، لطَلَبَة كليّة مار الياس في عبلين، حيث عملت فيها لمدة 35 عامًا. وكان في هذه اللقاءات يتطرّق إلى أهمية الحفاظ على السِّلم الأهلي، والابتعاد عن مظاهر العنف، من خلال تبنّي أسس وقواعد المسايرة والملاينة.
كان مُلِمًا بتدهور الأحوال الاجتماعية، وخائفـًا على مجتمعه، من الانحدار إلى مستويات ستكون مؤلمة مع قادم الايام. كان حديثه أمام الطَّلّبّة لإدراكه أنّهم عماد المجتمع، وأحد مكوّناته الرئيسة. ولهذا كان يُشدّد على تعريف أبناء المجتمع على بعضهم البعض، قاصدًا بذلك تعريف أهل الجليل على أهل المثلث والنقب.
أمّا الموقف الثالث الذي رأيت فيه المرحوم، فهو عقد رايات الصلح بين عائلات متخاصمة في هذا الوطن الجميل. إذ كان من الأعضاء البارزين للجنة الصلح القطرية. ولقد استمعت منه إلى عشرات القضايا المأساوية والمؤلمة التي ساهم إلى جانب آخرين في وضع حدًّ لنزيف الدماء.
برز أبو جبور بقوّة اقناعه للطرفين المتخاصمين والمتقاتلين، بأنّ الحياة أقوى من الموت، وأنّ الصلحَ خير وسيد الأحكام. وعَرَفَ أبو جبور كيف يتعامل مع كل قضية بمكوّناتها التي تختلف عن القضايا الأخرى. ولم يكتف بالمشاركة في عقد رايات الصلح، إنّما كان يعمل على نشر وعي الصلح والمصالحة والصلحة بين أبناء المجتمع الفلسطيني في الوطن. والى جانب ذلك كان يتطوع بتقديم محاضرات في كل مدرسة ونادي كشفي، ونادي مسنين، ومجموعات شبابية، حول أهمية المصالحة، ووقف شلال الدم الجاري بين ابناء البلد الواحد.
هنا رأيت قمّة وذروة أبو جبور في الإصرار على عقد الصلح، بعد التقريب بين الأطراف المتنازعة، وإلى تثبيته جماهيريًا. وعبّر عن المصالحة والصلحة في كتاب عمّمه بالعربية والإنجليزية في الوطن وخارجه. وأقتبس فقرة من هذا الكتاب بقلم الراحل لأهميتها وهدفها:"إنّه لمن المؤكّد، أنّ طبيعة الخير المغروسة في الإنسان أعمّ وأشمل، وقد وُجِدَت لتتصدى لغريزة الشر، وتكبح جماحها، وفي كثير من الحالات، لتنتصر وتتغلب عليها، لأنّها هي الأقوى والأبقى، وإلاّ لأصبحَ هذا العالم خرابًا بلقعًا يبابًا... ويبدو أنّ هاتين الطبيعتين موجودتان لدى الإنسان على الأرض، ومتلازمتان معه، وتسيران جنبًا إلى جنب... ويعلِّمنا التاريخ، قديمه وحديثه، أنّه كلّـما نشب نزاع، صغيرًا كان أم كبيرًا، وسواء كان فرديًا أو جماعيًّا وفي أي بقعة من العالم، يهب الخيرون، وما أكثرهم، للتدخل والتوسط لدى الأطراف المتنازعة لوضع حدّ لهذه النزاعات، ولايجاد الحلول المناسبة، وإنّ النزاع مهما طال أو قصُر لا بدّ له في نهاية المطاف أن ينتهي على طاولة المفاوضات". (من كتاب الراحل الياس جبور "الصلحة العربية؛ بين النظرية والتطبيق. ص 8).
رُبّما لا يعرف الكثيرون تفاصيل حياته، إلاّ القريبين منه، وخصوصًا بعد أن جنحت المجتمعات إلى السير مهرولة بسرعة نحو الحداثة الاقتصادية والاجتماعية، تاركين خلفهم موروثًا فكريًا واجتماعيًا، عمره آلاف السنين، متبّنين أنماطًا سلوكية رتيبة ومنفّرة، تعتمد القوة والعنف، بدلاً من الحكمة والتروي.
الياس جبور – ابو جبور مِثل مدرسة حياتية تركت أثرها في كل بقعة من بقاع هذا الوطن، وحتى خارجه.
وبرأيي فإنّ أهمية حياة الراحل، أنّه لم يجعل حياته محصورة في مربع العائلة الضيقة. وهو لم يُقصّر مطلقًا بكل ما احتاجت إليه عائلته، لكنه اعتبر نفسه مُلكـًا لشعبه، الذي أحب بكل جوارحه.
هذا التوجه الحياتي جعله مُعلّمًا ناجحًا وآثاره تشهد على تأثير تعليمه وتربيته لآجيال عدة. وكان سياسيًا مُلمًا بكل خفايا وأسرار السياسة المحلية وتوجهاتها، وكان رجل مجتمع أساس حياته الإصلاح من أجل الخير ومنفعة الناس. وكان مؤمنًا بالسلام المأمول، مهما كانت الأحوال السائدة، وأنّ الإنسان بطبعه مسالم ويسعى إلى الخير.
التجربة الحياتية لأبي جبور لا تشبهها أي تجربة أخرى. إنّها تجربة مميزة وفريدة بنوعها، وخصوصًا أنّ فيها مفترقات محورية، لانتشال الإنسان من مخاضات صعبة.
لهذا، من الصعب رثاء قامة كبيرة كأبي جبور في كلمات، مهما طالت وتشعبت. تجارب الحياة مدرسة يتعلم منها الشخص ويُعلّـم غيره.
ولأني عرفت أبي جبور معرفة جيدة، على مدى أكثر من أربعة عقود، فإنّه بنظري مدرسة حياة سامية وراقية، ومؤثرة بكل ما في الكلمة من معنى.
وأود أنْ أختتم مساهمتي هذه، بأنّ غياب ابي جبور عن مشهد الحياة بصمت وسكينة، هو غياب الجسد فقط، إنّما آثار أعماله وفكره باقية، مرافقة لمن عرفوه، ولمن يريد أن يتعرّف إلى شخصية نموذجية مثل شخصية الياس جبور.





