البطريرك الكلداني الجديد في العراق: عودة المسيحيين هي التحدي الأكبر

الفاتيكان نيوز - القلق على الشباب الذين فقدوا الرجاء، وعدم استقرار المنطقة بسبب الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، والألم لأجل المؤمنين الذين يواصلون الهجرة: يعرب بولس الثالث نونا عن قلقه تجاه مجتمع "طُبعت حياته بالحروب والصراعات، وهو مُدرج في سياق إقليمي صعب يتسم بعدم اليقين". ومن المقرر عقد اجتماع لمجلس الأساقفة الكاثوليك في ٢٨ آب أغسطس المقبل؛ وهو حدث لم يقع منذ عام ٢٠٢١.

البطريرك الكلداني الجديد في العراق: عودة المسيحيين هي التحدي الأكبر

لكن أفكار البطريرك مار بولس الثالث نونا لا تقف عند هذا الحد؛ ففي قلب البطريرك الجديد للكنيسة الكلدانيّة، الذي أُنتخب قبل أربعة أشهر فقط، توجد أيضاً الفرحة بحدث كنسي يبدو روتينياً للوهلة الأولى: وهو الدعوة لعقد اجتماع لمجلس الأساقفة الكاثوليك في ٢٨ آب أغسطس المقبل، والذي سيُقام في عنكاوا، إذ لم يجتمع الأساقفة في لقاء هيئة رئاسية منذ عام ٢٠٢١. ويقول البطريرك: "في هذه المناسبة، سنناقش ضرورة اجتماع المجلس بشكل دوري، فضلاً عن بعض القضايا الأساسية مثل الوجود المسيحي في العراق وسبل حماية جماعاتهم والأراضي التي تجذرت فيها تاريخيًّا".

في جوابه على السؤال حول إن كانت ستكون هناك قضايا كنسية مهمة أخرى على الطاولة قال البطريرك مار بولس الثالث نونا سنعالج ملف اللجنة المشتركة للتعليم المسيحي والمحاكم الكنسية، وأخوية هيئة الكاريتاس. إن المسار السينودسي هو أساسي وضروري في عالم اليوم؛ وأنا على يقين من أن التعاون مع الكنائس الكاثوليكية الأخرى سيجعلنا أكثر قوة وأكثر قدرة على التفكير والعمل في خدمة مؤمنينا. لا أحد يستطيع فعل كل شيء بمفرده، ولا يمكن لأحد أن يظن أنه قادر على تحقيق كل ما يتمناه بقواه الذاتية. ومن خلال الاتصالات التي أجريتها مع جميع الأساقفة الأعضاء في المجلس، اتضح جلياً أنهم مسرورون جداً باستئناف الاجتماعات وراغبون في العودة للعمل معاً.

تابع البطريرك مار بولس الثالث نونا مجيبًا على السؤال حول إن كان سيكون لدى الأساقفة مجال للتفكير أيضاً في حالة البلاد، وحول الوضع السياسي والاجتماعي في العراق وقال من الناحية الأمنية، فإن الوضع الداخلي للبلاد جيد إجمالاً. ومع ذلك، تُلمس الآثار السلبية للتوترات والصراع بين الولايات المتحدة وإيران، ولا سيما على الاقتصاد العراقي؛ إذ بدأ السكان يشعرون بذلك ملموساً في حياتهم اليومية. وعلى الصعيد السياسي، هناك أمل في أن تتمكن الحكومة الحالية من تعزيز التغيير، وتوحيد دولة قوية تقوم على مؤسسات صلبة، ومكافحة الفساد الذي يمثل العدو الرئيسي للأمة.

أضاف البطريرك مار بولس الثالث نونا مجيبًا على السؤال حول ما هي الأولويات العاجلة للسكان، ولاسيما الشباب الذين يُعدون من أكثر الفئات هشاشة وقال إنه انعدام الرجاء. لقد فقد الشباب الأمل في المستقبل، وفي أرضهم، وفي الوطن، وبطريقة ما، في كل شيء تقريباً. في رأيي، هذا هو التحدي الأكثر خطورة لأنه يجعل الشباب أقل ميلاً للالتزام، وبناء حياتهم وحياة الآخرين، أو المساهمة الفعالة في بناء المجتمع. ومن ثمَّ هناك البطالة بالتأكيد؛ قلة فرص العمل والبيئة الاجتماعية التي يجدون فيها أحياناً صعوبة في إيجاد مكانهم وتحقيق ذواتهم. ويُضاف إلى ذلك تحدٍّ آخر بالنسبة للشباب المسيحيين: ألا وهو الرغبة في الهجرة. ونتيجة لذلك، انخفض عدد الزيجات بشكل كبير؛ إذ لا يرغب العديد من الشباب في تكوين أسر هنا لأنهم ينوون مغادرة البلاد، بينما لا يشعر آخرون بالقدرة على بناء أسرة في ظروف تتسم بعدم اليقين. إن انعدام الرجاء في مستقبل الأمة، بسبب عدم الاستقرار الذي يطبع المنطقة بأكملها، يجعل الشباب يفقدون الرغبة في المشاركة في الحياة العامة أو تقديم مساهمتهم. وهذا يشكل أيضاً مشكلة خطيرة لأن الشباب هم بالدرجة الأولى الذين يبنون الأمة؛ وبدون مشاركتهم والتزامهم، يواجه المستقبل خطر أن يصبح أكثر هشاشة باستمرار.

تابع البطريرك مار بولس الثالث نونا مجيبًا على السؤال حول وضع قضية احترام حقوق الإنسان وقال في سياق عدم الاستقرار الذي يمر به إقليم الشرق الأوسط، تبقى حماية حقوق الإنسان هشة وغير مؤكدة هي الأخرى. وبشكل عام، لا تُسجل انتهاكات جسيمة ومنظمة يمكن إرجاعها إلى توجه رسمي. وتتركز النقاط الحرجة أساساً في الطريقة التي تتعامل بها بعض المؤسسات مع أعضائها، وكذلك في التصرفات ضمن العلاقات الشخصية. وهناك بلا شك تجاوزات، لا سيما فيما يتعلق ببعض الممتلكات، لكنها لا تبدو أنها تعبر عن نهج رسمي ومعمم. بالإضافة إلى ذلك، تبقى الحماية الفعلية للحقوق الفردية مشروطة ببعض المشاكل الدقيقة والجسيمة، وفي مقدمتها الفساد المالي. ويُضاف إلى ذلك التحكم في عمليات اتخاذ القرار من خلال النفوذ الاقتصادي أو التأثير السياسي.

أضاف البطريرك مار بولس الثالث نونا مجيبًا على السؤال حول الوضع الأمني في البلاد عملياً الآن وقد أصبحت عصابات داعش الإرهابية لا تسيطر على الأرض ولكنها تواصل العمل كشبكة سرية وقال كما أشرت سابقاً، فإن الوضع جيد إجمالاً في جميع أنحاء البلاد. وفي المناطق التي سكنها المسيحيون تاريخياً، لم تعد توجد المشاكل الأمنية التي كانت قائمة في الماضي. وتبقى هناك تحديات أخرى، من بينها التغيير الديموغرافي، والعدد المحدود من المسيحيين الذين يعودون إلى ديارهم الأصلية، والنقص العام في الخدمات الأساسية بشكل عام. ومع ذلك، وبسبب الحرب الأخيرة، يُخشى أن تنجر البلاد إلى الصراع أو تصبح ساحة للمواجهة بين الأطراف المختلفة. وحتى الآن، لم تقع مشاكل ذات خطورة خاصة، لكن القلق يبقى قائماً.

تابع البطريرك مار بولس الثالث نونا مجيبًا على السؤال حول الاحتفال بالذكرى السنوية الثانية عشرة لليلة السادس والسابع من أغسطس ٢٠١٤ عندما أُجبر عشرات الآلاف من المسيحيين على الفرار من سهل نينوى، والذكريات التي يحتفظ بها من تلك الليلة وما المغزى الذي تحمله هذه الذكرى اليوم لجميع المسيحيين وقال تلك اللحظة وتلك الليلة لا تُنسى بسهولة؛ إذ تبقى محفورة في الذاكرة وتترك أثراً عميقاً في الحياة. أتذكر عشرات الآلاف من العائلات وهي تفر، بعضها بالسيارات والبعض الآخر سيراً على الأقدام، والخوف يملأ قلوبهم ويمكن قراءته في أعينهم. وكان بكاء الأطفال مؤلماً بشكل خاص. وشخصياً، كنت أشعر بقلق بالغ على الذين لم يكونوا مدركين بعد لضرورة الفرار وكانوا لا يزالون في منازلهم. وكانت الاتصالات الهاتفية بهم وحثهم على المغادرة بأسرع ما يمكن مصدراً لقلق عميق وخوف كبير على مصيرهم. كان القلق الأكبر يتعلق بعائلاتنا التي بقيت في قرى سهل نينوى. لهذا السبب تواصلت مع كهنة بعض القرى وذهبت شخصياً إلى قرى أخرى، طالباً منهم إخلاء جميع الأشخاص الذين كانوا لا يزالون هناك في أسرع وقت ممكن، لأننا علمنا مسبقاً أن ما يُسمى بالتنظيم الإرهابي "داعش" ينوي التقدم. وكان التأكد من نجاح الجميع في الوصول إلى بر الأمان من أصعب اللحظات وأكثرها إيلاماً في تلك الليلة. وكان المصدر الكبير الآخر للخوف هو عدم معرفة من يمكن الاعتماد عليه لمواجهة ذلك الوضع المأساوي؛ فقد كانت جميع مؤسسات الدولة مشلولة، وكنا مُجبرين على التصرف بالاعتماد على خبرتنا ووفقاً لما كنا نعتقد في تلك اللحظة أنه الخيار الأفضل. وكان هذا التحدي هائلاً بدوره.

أضاف البطريرك مار بولس الثالث نونا مجيبًا على السؤال حول ما الذي تغير بالنسبة للمسيحيين منذ ذلك الحين وقال بلا شك، هناك فارق كبير بين تلك الأيام والوضع الحالي؛ إذ لم يعد هناك مناخ من الخوف الشديد، لكن يبقى هناك قلق معين بسبب عدم الاستقرار العام. في تلك الفترة، فقد المسيحيون الكثير، والعديد من خسائرهم لا يمكن تعويضها. وتتعلق النتيجة الأكثر خطورة بالعدد الكبير من المسيحيين الذين تركوا أراضيهم ومنازلهم ومهاجرتهم إلى الخارج أو انتقالهم إلى مناطق أخرى في البلاد. هناك مجتمع طُبعت حياته بالحروب والصراعات، وهو مُدرج في سياق إقليمي صعب يتسم بعدم الاستقرار؛ وكل هذا يجعل العلاقات والحياة معقدة في كل أبعادها. وبناءً على ذلك، فإن حرية ممارسة الإيمان لا تتعلق فقط بما يحدث داخل الكنائس، بل أيضاً بإمكانية تواجد المسيحيين ومشاركتهم بحرية في جميع مجالات الحياة الاجتماعية. وهذه الجوانب الأخيرة لا يمكن ضمانها بالكامل دون مواجهة عقبات ذات طبيعة مؤسساتية واجتماعية.

وختم البطريرك مار بولس الثالث نونا حديثه لموقع فاتيكان نيوز مجيبًا على السؤال حول رأيه بمستقبل سهل نينوى اليوم، حيث تمت إعادة البناء المادية إلى حد كبير لكن إعادة البناء الديموغرافية لا تزال غير مكتملة وقال ليس من السهل التنبؤ بما سيحدث. التحدي الأكبر الذي نواجهه هو عدم عودة جميع المسيحيين إلى هذه المنطقة: فالعديد منهم هاجروا خارج العراق بينما اختار آخرون البقاء في مناطق أكثر استقراراً. وتعتمد العودة على عوامل متعددة، من بينها استقرار الوضع السياسي والرجاء في عدم تكرار الأحداث المؤلمة التي وقعت في الماضي. ومن الضروري استعادة الثقة في المستقبل لكي يتمكن كل مسيحي من العيش بحرية، مع اليقين بقدرته على بناء حياة مستقرة والحصول على عمل لا يتعرض فيه للتمييز أو التدخلات غير المحقة. وهناك أيضاً التحدي المتمثل في رغبة المكونات المختلفة في هذه المنطقة في الهيمنة على بعضها البعض، فضلاً عن استخدام سهل نينوى كساحة للمواجهة السياسية والاجتماعية. ونحن كمسيحيين، بطبيعتنا وبحكم إيماننا، لا نرغب في الدخول في صراع مع أحد؛ بل إن مؤمنينا قد تعبوا من الصراعات ويتوقون إلى العيش في سلام وطمأنينة. وللأسف، حتى اليوم، لم يجد هذا التطلع تحقيقه الكامل بعد.