الباقي في حيفا
الكاتب : يهودا شنهاف - شهرباني
قبل أن نقول إميل حبيبي، علينا أن نقول حيفا. ليس "حيفه" كمان تُكتب بالعبرية، بل حيفا، التي تنتهي بالألف. اسمان، مدينتان. "حيفه" بالعبريّة هي علامة تجاريّة لمشروع تعايش. وبالعربيّة هي حيفا الفقدان والتهجير. هذا الانتقال الضئيل بين الألف والهاء، بين حيفا و"حيفه"، ليس مجرّد مسألة نقل حرفيّ أو كتابة صوتيّة، بل هو الحكاية بأسرها. ما الذي يحدث للمدينة حين تنتقل من لغةٍ إلى أخرى؟
ثلاثون عامًا انقضت على رحيل حبيبي، ولا تزال العبارة المنقوشة على شاهدة قبره "باقٍ في حيفا" تتردَّد كواحدةٍ من حِيَله الأدبية. لا "عاش في حيفا"، ولا "دُفن في حيفا"، بل باقٍ فيها. في الماضي وفي الحاضر معًا. قد يكون الإعلان عن البقاء، عند أدباء وشعراء آخرين، حقيقة في السيرة الذاتيّة أو فعل-كلام سياسيّ. أمّا عند حبيبي فالبقاء جنسٌ أدبيٌّ قائمٌ بذاته، جنسٌ يقوم على بطلٍ صعلوكيٍّ: ساخرٍ، مأساويّ، مراوغ، مُتذلِّل، صَفِيق، مزدوج اللسان، وفوق ذلك كلِّه، عصيٍّ على الترجمة المباشرة. كتب حبيبي من موضع تنهار فيه الهويّات الرسميّة (حاضرون-غائبون، مثلاً) على نفسها لتفضح، مرَّةً إثرَ مرَّةٍ، عبثيّة الواقع. فلسطينيّ باقٍ، حيفاويّ، شيوعيّ، نائبٌ في البرلمان، ساخرٌ، يتكلَّم من داخل البيت ويُطرَد منه في آنٍ واحد. حتى بقاؤه ذاته لا يدلّ على سيرةٍ مكانيّةٍ واحدة. وُلد حبيبي لأسرة شفاعمريّة، ونشأ في حيفا، وفي أيام النكبة أقام في رام الله ثم انتقل إلى لبنان، ومن هناك تمكَّن من العودة إلى مدينته التي كانت قد احتُلَّت من قبل، عودة لا تمتُّ بصلة إلى العودة الأسطورية المتخيَّلة في وعي اللاجئين، بل هي حركة مراوِغة لمن يحاول التسلُّل إلى حياته هو ذاته. لذلك، فالعبارة "باقٍ في حيفا" لا تصف ثباتًا، بل تصف الشكل الممكن الوحيد للحركة لمن أطبق التاريخ عليه من كل صوب. ولعلّ حبيبي، أكثر من أيّ روائيٍّ فلسطينيٍّ آخر بَقِيَ في وطنه، أدرك المعنى المستحيل لذلك الفعل: يبقى. يبقى بعد الكارثة، ويبقى داخل الدولة التي قامت على أنقاض عالمه، ويبقى في اللغة العربيّة داخل فضاءٍ يترجمه على الدوام إلى العبريّة، يحوّل العربيةَ إلى لغةَ أقليّة، لغةَ الشُّبهة وحالة الطوارئ.
ولهذا، تبدو حكاية الجوائز التي نالها وكأنها مكتوبةٌ بقلم حبيبي نفسه. ففي عام 1990 نال جائزة القدس من منظمة التحرير الفلسطينيّة، وفي عام 1992 نال جائزة إسرائيل للأدب. ويَصعب أن نتخيَّل مفارقةً حَبِيبيَّةً أشدَّ حدّةً من هذه: يحظى الكاتب نفسه، في توقيتٍ متقاربٍ، باعتراف من الوطنيّة الفلسطينية ومن الدولة الإسرائيليّة. الخارج والداخل يتداخلان ويتدحرجان الواحد بالآخر. كان حبيبي يُثير الانزعاج في الطرفين معًا، لأنه رفض الانصياع للتقسيم المريح بين الولاء والخيانة، بين المقاومة والمصالحة، بين الضحيّة والمتعاون. لم تكن المعارضة الفلسطينيّة لقبول حبيبي جائزةَ إسرائيلَ أمرًا هامشيًا. كتب محمود درويش ضدّ ذلك، وكثيرون غيره. غير أنّ مفارقة التاريخ هنا هي أكثر حدّة من الموقف نفسه. لم يتمكَّن درويش من البقاء في الدولة التي قامت، فاقتُلِع منها. أمّا حبيبي فبَقِيَ فيها. لذا، فالخلاف بينهما ليس جدالاً بسيطًا بين النقاء والمساومة، بل هو جدلٌ بين قَدَرَيْن فلسطينيَّيْن. تكلَّم درويش مِن جرحِ مَن سُلب البقاء منه. وتكلَّم حبيبي من جرحِ من اضطرَّه البقاءُ إلى العيش في تناقضٍ دائم. لم يحلَّ ازدواج الجوائز تناقضات حياة حبيبي، بل جعلها علنيّة. وهنا أيضاً تصرَّف كشخصيّة ماكرة. لم يقف خارج المنظومة ليعظ بها، بل دخل إليها، وتبنَّى رموزها، ولعب بها، وحوَّلها إلى مادّةٍ ساخرة، وعرَّى عبثيتها من داخلها.

أعظم شخصيّة مراوغة في أدب حبيبي هي بطبيعة الحال سعيد أبو النحس المتشائل، بطل رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". ينطوي عنوان الرواية على كلّ شيءٍ تقريبًا: المتفائل والمتشائم يتّحدان في شخصيّةٍ واحدة. سعيد أبو النحس ليس بطلاً ملحميّاً. ليس المقاتلَ المنتصبَ القامةِ من أدب المقاومة، بل ابن النَّحس، البقيّة الباقية، رجلٌ يتذلَّل ويتحايل، يبدو دائمًا مستعدّاً للتنازل عن كرامته في سبيل لحظةٍ إضافيّةٍ من الحياة. وهو، لهذا السبب بالذات، شخصيّةٌ بالغة الفاعليّة؛ ضعفه يفضح قوّة الحاكمين، وسذاجته الظاهريّة تكشف العنفَ الدائر من حوله، وتذلُّله ينقلب إلى لائحة اتّهام. بهذا المعنى، ينتمي سعيد أبو النحس إلى عائلةٍ كبيرةٍ من الشخصيّات الأدبيّة المنحوسة: "كانديد" فولتير، وأبطال الكاتب اليهوديّ شالوم عليخم. شخصياتٌ تبدو وكأنّها لا تفهم العالم، لكن العالم يتجلّى في كامل قسوته من خلالها هي بالذات. صنع حبيبي شخصيةً لا تنتصر لكنّها لا تتلاشى، لا تتمرّد علناً لكنّها لا تستسلم، لا تقول الحقيقة مباشرةً لكنّها تكشف الوجه الساخر للكذب الرسميّ. يمكن أن نرى هذا أيضًا في النصّ عن لـ"الطنطورية"، التي يطلق عليها لاحقًا اسم "الباقية". لا تظهر الطنطورة في الكتاب كفصل تاريخيّ مشروح، بل بوصفها كذبًا رسميًا يتسلَّل إلى داخل الحكاية. لا يدلي حبيبي بشهادةٍ مباشرة عن "ما جرى ذلك المساء الخريفيّ"، بل يُظهر كيف صار الكذبُ نفسه لغة فعلًا. كيف أنّ مكانًا جرت فيه مذبحةٌ يستمرّ بالكلام عبر إنكاره بالذات، وكيف أنّ الباقي مضطرٌّ إلى أن يعيش داخل جُمَلٍ كاذبةٍ كذبًا صريحًا. ليست هذه مجرّد سخرية من جهاز الإنكار، بل هي طريقةٌ لكتابة التاريخ في مكان يُحرَّم فيه الكلام بصدقٍ عن التاريخ.
وهنا تكمن قوّة حبيبي الكبرى. لم يحاول أن يمنح الفلسطينيَّ الباقيَ صورةً مثاليّةً ناصعة. كتب الارتباك، والخوف، والتبعيّة، والتكيُّف، والبقاء على قيد الحياة، والعار، والفكاهة. عرف أنّ الفلسطينيّ الباقي لا يعيش في ملحمة، بل في نثرٍ يوميٍّ من التصاريح، والموظّفين، والشرطة، والحزب، والعائلة، والجيران، والذكريات، والسجون، والكلمات المزدوجة الدلالة. الباقون، أو المتبّقون، وفق توصيف الباحثة همّت زعبي للسكّان الفلسطينيّين الأصليّين الذين بقوا في وطنهم بعد النكبة وعاشوا تحت الحكم العسكريّ الإسرائيليّ، خبّأوا حقيقتهم في الذكريات، واليوميّات، وشذرات السرديّات، وفي المقاومة الصامتة. عن هؤلاء المتبقين كتب حبيبي. لذلك، فأدبه ليس أدب شهادةٍ فحسب، بل أدبُ حيلة. لا يصرخ بالحقيقة، بل يحاكي لسانَ السلطة حتى تبدأ السلطةُ نفسُها تبدو مجنونة.
للوهلة الأولى، تبدو الأمثلة عنده نكتة دائمًا، ثم يتبيَّن أنها جهاز سياسيّ متكامل. "دولة حيفا" مثلاً (بالعبريّة "مدينة" تعني دولة، فظنّ سعيد أنّ حيفا أصبحت اسمًا للدولة) ليست مجرّد لعبةٍ لغويّة بارعة، بل هي اختزال دولة إسرائيل إلى الفضاء الذي حُبس فيه سعيد أبو النحس، ومنح حيفا سيادةً ساخرة خاصّةً بها، في الوقت ذاته. كذلك "قسم البحث عن الأقارب" في الإذاعة يتردَّد في نصوصه كظلٍّ ملتوٍ لتعبيرٍ إسرائيليٍّ مألوف. يبحث الفلسطينيون الباقون عن أقاربهم داخل دولةٍ لا تعترف بالكارثة التي شتَّتتهم. وأمّا الرايةُ البيضاء، عام 1967، التي طُلب من العرب رفعها علامةَ استسلام، فقد رفعها سعيد لأنه تواجد في حيفا ولم يكن يدرك إن كانت تُعد منطقة احتلال أم لا. ما بدا لسعيد في البداية رمزاً للاستسلام، تحوَّل سريعًا إلى محاكاةٍ ساخرة لنظام الشُبهة. الفلسطينيّ الباقي مُطالَب على الدوام بأن يُثبت أنه ليس عدوّاً، فإذا به يستسلم "أكثر ممّا يجب"، ويستسلم، ويستسلم، حتى يصير الاستسلامُ نفسه كاشفًا لعبثيّة القوّة.
كان حبيبي روائيَّ النحو السياسيّ. كان يعلم أنّ السؤال ليس فقط ما الذي يُسمح بقوله، بل أيضاً بأيّ ضميرٍ يُسمح بالكلام، وفي أيّ زمن، وبأيّ لغة، وبأيّ مقدار من السخرية. طُلب منهم، الفلسطينيّين الذين بقوا، أن يتحدَّثوا بلغة من غلبهم، لكنهم لم يستطيعوا أن يكفّوا عن الكلام بلغة من كانوا. طُلب منهم أن يعيشوا في حاضرٍ إسرائيليٍّ أعلن عن نفسه بدايةً جديدة، لكنهم حملوا في داخلهم ماضيًا يأبى أن يتحوّل إلى زمنٍ ماضٍ. عند حبيبي، لا يأتي الماضي والحاضر في تسلسلٍ مرتَّب، بل يصطدمان من جديد بالآخر في المسار الزمنيّ للحياة وللحكاية وللسياسة. وقد يصطدمان داخل الجملة الواحدة. يتكلَّم سعيد أبو النحس كمن سلَّم منذ زمنٍ بعيد، لكنّ كلَّ تنازلٍ من تنازلاته يُعيد ما يستحيل التنازل عنه.
حيفا/حيفه هي قلب هذه الحيلة. حيفا من بَقِيَ فيها، الذي طُلب منه مرَّةً إثر مرَّةٍ أن يُثبت أنه ليس غازيًا لها. حيفا من تحوَّل بيته بلمح البصر إلى مكانٍ يحلّ فيه ضيفًا. هنا، تنفتح الهوّة الكبرى بين حبيبي وبين مؤسِّس "أدب المقاومة"، غسّان كنفاني. كتب كنفاني "عائد إلى حيفا" من الخارج، من الشتات، من حلم العودة الموجِع. أمّا حبيبي فكتب حكاية الباقي في حيفا من الداخل، من المنفى داخل البيت. السؤال عند كنفاني هو: كيف تكون العودةُ إلى البيت المفقود؟ أمّا السؤال عند حبيبي فهو: ما الذي يحدث حين لا تغادر البيتَ، لكنَّ البيتَ يغادرك؟
لذا فإنّ "باقٍ في حيفا" ليست جملةً على شاهد قبرٍ فحسب. إنها صدًى، إن لم نقل ردًّا أدبيًا فعليًا على كنفاني. ليست العودة، بل البقاء. ليست دراما العودة، بل عبث البقاء. ليست تلك اللحظةَ التي يُفتح فيها البابُ بعد سنينَ من المنفى، بل تلك السنين الطويلة التي تستمرّ خلالها بالمرور بمحاذاة الباب نفسه، تعلم أنه بابك، وتعلم أنه ليس بابَك، وتظلّ تضحك ضحكةَ اليأس. حاضر غائب.
الفرق بين كنفاني وحبيبي ليس فرقًا بين أدبٍ بطوليٍّ وأدبٍ مهادن. بل هو الفرق بين مأساتين فلسطينيّتين: مأساة من نُفي من البيت، ومأساة من بَقِيَ في البيت بعد أن نُفي البيتُ منه. لقد أدرك الروائيّ اللبنانيّ إلياس خوري هذا جيّدًا. ففي ثلاثيّته "أولاد الغيتو" قرأ كنفاني وحبيبي بوصفهما شخصيتين تأسيسيتين في الأدب الفلسطينيّ بعد النكبة. أعطى كنفاني صورةً للمنفى، وللعودة، وللفقدان الذي يستحيل تعويضه. وأعطى حبيبي صورةً للبقاء، وللسخرية، وللحياة داخل التناقض. خوري، الذي كان يعلم إلى أيّ مدًى يُكتَب الأدب الفلسطينيّ داخل حركةٍ دائمة بين المحو والشهادة، نعت حبيبي أكثر من مرّةٍ بـ"معلِّمنا إميل حبيبي". هذه لفتة صادقة. كان حبيبي معلِّمًا، لا لأنه قدَّم وسيلةً للخروج من التناقض، بل لأنه علَّم كيف يُكتب من داخله.

طبعًا، لم يكتب حبيبي المتشائلَ فقط؛ ففي "سداسيّة الأيام الستة" بادر إلى الاستجابة لانكسار عام 1967، لا بفصلٍ منفرد، بل بحلقاتٍ متتابعة، بصيغة كتابةٍ تراكميّة. ثم جاءت روايتَي "إخطية" و"سرايا بنت الغول" اللتين وسَّعتا عالمه إلى أصقاع الأسطورة، والأنوثة، والجنّ. لذا. فمن الخطأ قراءة حبيبي من خلال عملٍ واحدٍ فقط، حتى ولو كان هذا العمل رائعتَه الأدبيّة؛ فأدبه مبنيٌّ كمنظومةٍ من الأصداء: حيفا تعود، والاختفاء يعود، والعودة التي لا تتحقَّق تعود، والشخصيةُ الفلسطينية تتأرجح مرَّةً إثر مرَّةٍ بين الحضور والمحو.
علاوةً على رواياته كتب حبيبي أيضًا قصصًا قصيرة. ورد في موسوعة ويكيبيديا أنّ أوّل قصصه هي "بوّابة مندلباوم" التي نُشرت عام 1954. غير أنّ هذه المعلومة تستلزم التصحيح. ففي العامَيْن 1948/1949 نُشرت في مجلة «الطريق» اللبنانية قصةُ حبيبي «لا حيدة في جهنم» (التي ستُنشر مجدّدًا هذا العام، مترجمة للعبريّة، ضمن سلسلة «مكتوب» ودار نشر «بارديس»، بتحرير إياد برغوثي ويوناتان مندل). عنوان القصة مقدّمةٌ ملائمة لكلّ أعمال حبيبي: لا يوجد مكان آمن في نار الصراع. مَن بَقِيَ لا يقف على تلٍّ مشرف على الجحيم، بل هو باقٍ داخل الجحيم. تذكِّرنا هذه القصة بأنّ ثمَّة حبيبي مبكر، لا يزال ينتظر أن يُجمَع وأن يُقرَأ.
بهذا المعنى، فإنّ الترجمة إلى العبرية هي أيضاً جزءٌ من الحكاية. أنطون شمّاس، الذي ترجم حبيبي إلى العبريّة بعبقريّةٍ فائقة، أدرك أنّ العبرية لن تستوعب حبيبي إذا حاولت تنعيمه وكَيَّ تجاعيده، لأنّ حبيبي ينبغي أن يدخل إلى العبرية بتجعُّده، وبسخريته، وبالعربيّة الباقية داخل العبريّة، عالقةً كعَظْمٍ في الحلق. الترجمة الشفّافة أكثر ممّا ينبغي كانت ستفوِّته. كانت ستحوِّل سعيد أبا النحس إلى شخصيّة "حبّوبة" لطيفة، وستحوّل العبثَ إلى نكتة، والسياسةَ إلى استشراق. لهذا، رفض شمّاس مفهوم "الترجمة" بمعناه الحرفيّ، وآثر أن يسمِّيها "نسخةً عبرية"، بل سمح لنفسه أن يُبحر بحوارٍ مع الكاتب. هذا المنهج هو ذاته الذي يوجِّه عملَنا بمشروع "مكتوب" لترجمة الأدب العربيّ للعبريّة. المترجمون ليسوا شفّافين، إنهم "يمارسون" بعبريّة تحتوي في داخلها، وعلى أطرافها، على لغة عربية.
غير أنه، بعد مرور ثلاثين سنةً على رحيل حبيبي، فإنّ دَيْن الترجمة تجاهه لا يزال غير مُسدَّد. لا يكفي أن نحوِّله إلى رمز. منذ سنين طويلة يردِّد على مسامعي باحثُ الأدب حنّان حِفِر أنه ينبغي ترجمة "سداسيّة الأيام الستة" بكاملها. لا كقصص متفرقة. لهذا أهميّةٌ أدبيّة وسياسيّة في آنٍ معًا. ليست هذه مجموعةَ قصص، بل سداسيّة. ستُّ وحداتٍ تتحدَّث بعضها مع بعض. ومع أنّ كلاً منها تستطيع أن تكون قائمة بذاتها، إلا أنّ القراءة المنفصلة تُفوِّت العلاقات القائمة بينها. إنّها ليست مجرّد قصص متتابعة، بل صيغةٌ أدبيّة للقاء بعد القطيعة. ولا عجب أن تنكشف هنا اللاتناظريّة في الترجمة إلى العبريّة. حين نتفحَّص فهرس ترجمات الأدب من العربية إلى العبرية على موقع «مكتوب» (فهرس مجّاني مفتوح للجميع، بُني على أساس البيانات التي جمعتها د. حنّا عميت-كوخافي، ويُهدى إلى ذكرى ابنتها طالي عميت-كوخافي رحمها الله)، تنكشف صورةٌ حَبِيبيّة فعلاً: ثمَّة قصصٌ من السداسية تُرجمت ثلاث أو أربع مرّاتٍ، وأخرى ليست حاضرةً في العبرية على الإطلاق. هكذا، يصل حبيبي إلينا بالعبرية مُفكَّكًا. الثمرةُ والقشرة، باستعارة من فالتر بنيامين، التي انفصلت إحداهما عن الأخرى. لكن مع حبيبي لا يصحّ الاكتفاء بالنواة دون اللبّ، ولا باللبّ دون النواة. لا بدّ من إعادة الصورة الكاملة، لأنّ سياسة السداسية لا تتمحور في كل قصةٍ على حدة، بل تجد تعبيرها التامَّ في التوتُّر بينها. كتب حبيبي بنظام الحلقات، وبصيغٍ تراكميّة، بحركات تكرارٍ وصدًى. وحين نمزِّق منه حلقاتٍ منفصلةً، نفقد العِقد كاملاً. وحين نترجم مقطعاً منفردًا، نُفوِّت الصيغة التاريخيّة التي كُتب من داخلها. وإذا تُرجمت السداسيّة بأسرها، فإنّ ما سيظهر هو ما أخفته الترجمة الجزئيّة: بنية البقاء بعد عام 1967، والوصل المؤلم والمتجدِّد بين الفلسطينيّين الباقين والفلسطينيّين الذين أُعيد احتلالهم، وتحوُّل حلم العودة إلى كاريكاتورٍ لتحقيقه. لذلك فترجمة "سداسيّة الأيام الستة" بكاملها ستجلب إلى العبرية لا مضمون هذا العمل فحسب، بل صيغته السياسية الفريدة أيضًا.
حبيبي ليس روائيّاً مريحًا، ولا يُصنَّف بسهولة. لا يجلس بطمأنينةٍ على رفّ "الأدب العربيّ في إسرائيل"، ولا على رفّ "التعايش"، ولا حتى على الرفّ الأشدّ ثباتًا، رفّ "الأدب الفلسطيني". إنه أكبر من كل هذه التصنيفات وأشدُّ إقلاقًا لها. كتب من بَقِيَ ولم يكفَّ عن أن يكون غريبًا، ومن تكلَّم بلسان المكان فلم يَنَلْ ملكيَّته، ومن ضحك لأنّ الضحك كان طريقةً أخرى للقول: ما زلتُ هنا.
بعد ثلاثين عامًا على رحيله، يجدر بنا أن نعود إلى إميل حبيبي لا لكي نُلطِّفه، بل لكي نسمع من جديد عدمَ الراحة الذي يولِّده. الجائزة المزدوجة، وشاهد القبر الباقي في حيفا/حيفه، وسعيد أبو النحس، والسخرية، والترجمة، والعودة التي لم تكن، والبقاء الذي لم ينته. كلّها تنتمي إلى الحيلة الكبرى ذاتها. كتب حبيبي من ذلك الموضع الذي لم يعد فيه ممكنًا أن يكون المرء كانديد بمعنى السذاجة، فاخترع سذاجةً ماكرة. وكتب من الموضع الذي يستحيل فيه أن يكون المرء حرّاً، فاخترع حريّةً من لغة. وكتب من الموضع الذي يستحيل فيه البقاء حقًّا، فبقي في حيفا.
*يهودا شنهاف - شهرباني — رئيس تحرير سلسلة "مكتوب" للأدب العربيّ بالعبرية، معهد فان لير في القدس، وأستاذ متقاعد في جامعة تل أبيب. ترجمة: إياد برغوثي
نشر المقال في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية، يوم الجمعة 5/6/2026







