وذاعَ ذِكرُه لِوَقتِه في كُلِّ مَكانٍ من ناحِيَةِ الجَليلِ كُلِّها - مرقس ١: ٢١-٢٨

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

سنة جديدة ٢٠٢٦. وحرب قديمة، قصد إبادة، مستمرة من٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ثم وقف إطلاق النار في ٩/١٠/٢٠٢٥. صراع بلا حل. لا يراد له الحل إلا بالإبادة. مستوطنون وجنود يعتدون. وتدمير بيوت وتهجير، والإنسان يقتل ويُسجَّلُ رقمًا يزداد كل يوم. ومع ذلك، الأمل في هذه السنة أن تكون جديدة، وفيها خير جديد هو سلام وعدل. الله سيفتقد أرضه وأهلها. "اللَّهُمَّ إِنِّي دَعَوتُكَ لأَنَّكَ تُجيبُني، فأَمِلْ أُذُنَكَ إِلَيَّ واسْتَمِعْ قَولي" (مزمور ١٧: ٦). ارحمنا، يا رب. إنَّا ندعوك، فاستمع إلينا. في غزة وفي كل مدن وقرى فلسطين، تسود إرادة الإبادة والموت والدمار والظلم. وفي كل المنطقة الموت يجول. الإنسان يا رب شرير، وقد زاد شرُّه. ونحن خليقتك وصُنعُ يديك. وأنت تحبنا. إنَّا نؤمن. نجنا من الشرير، يا رب. ارحمنا، يا رب.

وذاعَ ذِكرُه لِوَقتِه في كُلِّ مَكانٍ من ناحِيَةِ الجَليلِ كُلِّها - مرقس ١: ٢١-٢٨

٢١ودَخلوا كَفَرناحوم. وما إِن أَتى السَّبْتُ حتَّى دَخَلَ المَجمَعَ وأَخَذَ يُعَلِّم. ٢٢فأُعجِبوا بِتَعليمِه، لِأَنَّه كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن له سُلْطان، لا مِثلَ الكَتَبَة. ٢٣وكانَ في مَجمَعِهِم رَجُلٌ فيهِ رُوحٌ نَجِس، فصاحَ: ٢٤«ما لَنا ولكَ يا يسوعُ النَّاصِريّ؟ أَجِئتَ لِتُهلِكَنا؟ أَنا أَعرِفُ مَن أَنتَ: أَنتَ قُدُّوسُ الله». ٢٥فانتَهَرَه يسوعُ قال: «اخْرَسْ واخرُجْ مِنه!» ٢٦فخَبَطَه الرُّوحُ النَّجِس، وصرَخَ صَرخَةً شَديدة، وخرَجَ مِنه، ٢٧فدَهِشوا جَميعًا حتَّى أَخذوا يَتَساءَلون: «ما هٰذا؟ إِنَّهُ لتَعليمٌ جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان! حتَّى الأَرواحُ النَّجِسَةُ يأمُرُها فَتُطيعُه!» ٢٨وذاعَ ذِكرُه لِوَقتِه في كُلِّ مَكانٍ من ناحِيَةِ الجَليلِ كُلِّها.

 إنجيل اليوم

       نبدأ زمن السنة في التقويم الكنسي. ونقرأ إنجيل القديس مرقس. بدء كرازة يسوع المسيح. ترك الناصرة. يسوع أيضًا ترك الأهل والعشيرة والبلد، ليبدأ عمل الله، مرسَلًا من قبل الآب. ليس مرسَلًا من قبل أهله وأقاربه في الناصرة... الله هو الذي يعمل. وصف يوحنا في مطلع إنجيله العلاقة بينه وبين مًرسَلِيه بهذه الآية: "هُمُ الَّذينَ لا مِن دَمٍ، ولا مِن رَغبَةِ لَحمٍ، ولا مِن رَغبَةِ رَجُل، بل مِنَ اللهِ وُلِدوا" (يوحنا ١: ١٣).

       لنحفظ هذه الحقيقة في قلبنا. أنا أيضًا قبلت عطية الإيمان. وأرسلني الله لأشرك غيري في ما أعطاني إياه، لأتمم أنا أيضًا، بقوة يسوع المسيح ابن الله، إرادته الأزلية. مع الآب، في نوره أحيا، وأعرِّف مشيئته إلى الناس. إلى الناس، على الأرض، في شرورهم، وعنادهم، وفي ظلمتهم، أحمل نور الأبدية، وصوت الآب.

       رسالتي وعملي ليس إذن فقط نشاطات بشرية، ولا كلام بشر، بل أكثر من ذلك بكثير. لست أنا الذي أحيا بعد الآن، بل هو المسيح الذي يحيا فيَّ. لا أنا، ولا كلامي، بل إرادة الآب، وصوت الآب، وحبه الأزلي فيَّ، هذا الذي أحمله إلى الأرض.

       عليَّ أن أعي هذا، الإيمان فيَّ هبة من الله، وإرسال لي لأعمل مشيئة الله، وأجاهد الجهاد الحسن، لكي أُظهِرَ حُبَّ الله للناس وأعرِّفهم به، وبأنه يريد أن يَخلُصَ كل إنسان، وأن تكون له الحياة الوافرة على هذه الأرض، ويصير قادرًا على بدء أبديته هنا، على الأرض، بالرغم من خطيئة الأرض.

" ٢٣وكانَ في مَجمَعِهِم رَجُلٌ فيهِ رُوحٌ نَجِس، فصاحَ: ٢٤ما لَنا ولكَ يا يسوعُ النَّاصِريّ؟ أَجِئتَ لِتُهلِكَنا؟ أَنا أَعرِفُ مَن أَنتَ: أَنتَ قُدُّوسُ الله. ٢٥فانتَهَرَه يسوعُ قال: اخْرَسْ واخرُجْ مِنه! ٢٦فخَبَطَه الرُّوحُ النَّجِس، وصرَخَ صَرخَةً شَديدة، وخرَجَ مِنه".

الروح النجس يعترف بـ"يسوع الناصري ... أنه قدوس الله" ويطيعه. زمن الله بدأ على الأرض. ملكوت الله قريب، الله مع الناس.

والمستمعون ليسوع أيضًا آمنوا: "فدَهِشوا جَميعًا حتَّى أَخذوا يَتَساءَلون: «ما هٰذا؟ إِنَّهُ لتَعليمٌ جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان! حتَّى الأَرواحُ النَّجِسَةُ يأمُرُها فَتُطيعُه!" (٢٧).

على الأرض أمر جديد، قدرة الله، وتعليم جديد يعطى بسلطان. حان الزمن لفتح العيون، لرؤية الله، لنبدأ أبديتنا، لأبدأ أبديتي أنا، حان الزمن لأن أرى الآب، وأحيا معه، وأصير مقامًا له.

على الأرض، الله معنا، وأبناء الله، كل إخوتي وأخواتي: " الَّذينَ لا مِن دَمٍ، ولا مِن رَغبَةِ لَحمٍ، ولا مِن رَغبَةِ رَجُل، بل مِنَ اللهِ وُلِدوا" (يوحنا ١: ١٣). كل الذين ولدوا من الله.

هذه هي حياتي، هذه هي الحياة التي أحملها إلى الأرض، إلى كل إخوتي وأخواتي. إذن حان الزمان لأن أحرر نفسي من كل ردة فعل تنطلق من الخطيئة، لأبقى في ردة الفعل الوحيدة التي تنطلق من استجابتي لحب إخوتي وأخواتي، وحبِّ أبينا الواحد الذي في السماوات.

ربي يسوع المسيح، أومن، وأطيع، وأتمم مشيئتك. أسندني، وأعطني القوة لكي أثبِّتَ ملكوتك على الأرض، لكي أعرف أن أُحِبَّ إخوتي وأخواتي، كما تحِبُّنا أنت. آمين.

الثلاثاء ١٣/١/٢٠٢٦                         بعد الأحد الأول من السنة