حرية أبناء الله - متى ١٢: ١-٨

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

من إنجيل القديس متى، الفصل ١٢، الآيات ١-٨ "فِي ذَلِكَ الوَقتِ، مَرَّ يَسُوع فِي السَّبْتِ مِن بَينِ الزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلَامِيذُهُ، فَأَخَذُوا يَقلَعُونَ السُّنبًلَ وَيَأْكُلُونَ" (١). "لَو فَهِمْتُم مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ: إنَّمَا أُرِيدُ الرَّحمَةَ لَا الذَّبِيحَةَ، لَمَا حَكَمْتُم عَلَى مَن لَا ذَنبَ عَلَيهِم" (٧).

حرية أبناء الله - متى ١٢: ١-٨

 

١. في ذلك الوقت مر يسوع في السبت من بين الزروع، فجاع تلاميذه، فأخذوا يقلعون السنبل ويأكلون. 

٢. فرآهم الفريسيون فقالوا له: ها إن تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبت. 

٣. فقال لهم: أما قرأتم ما فعل داود حين جاع هو والذين معه؟ 

٤. كيف دخل بيت الله، وكيف أكلوا الخبز المقدس، وأكله لا يحل له ولا للذين معه، بل للكهنة وحدهم؟ 

٥. أو ما قرأتم في الشريعة أن الكهنة في السبت يستبيحون حرمة السبت في الهيكل ولا ذنب عليهم؟ 

٦. فأقول لكم إن ههنا أعظم من الهيكل. 

٧. ولو فهمتم معنى هذه الآية: إنما أريد الرحمة لا الذبيحة، لما حكمتم على من لا ذنب عليهم. 

٨. فابن الإنسان سيد السبت. 

 

من إنجيل القديس متى، الفصل ١٢، الآيات ١-٨

 "فِي ذَلِكَ الوَقتِ، مَرَّ يَسُوع فِي السَّبْتِ مِن بَينِ الزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلَامِيذُهُ، فَأَخَذُوا يَقلَعُونَ السُّنبًلَ وَيَأْكُلُونَ" (١). 

يسوع يتجوَّل بين المدن والقرى، يجتاز الجبال والسهول، ويمر بين الزروع. يتجوَّل يبحث عن الإنسان، ليعلِّم ويصنع الخير. ليشفي من كل مرض وعلة. هذه حياته، لا مسكن له ثابت في الأرض. بل هو سعيٌ مستمر في سبيل الناس. سأله مرة أحد سامعيه: أين تسكن، يا رب؟ قال له يسوع: لا مكان لي. لطيور السماء أعشاش، أما ابن الإنسان فمتحوِّل يبحث عن الناس. كله، كل سعيه، كل حياته، سعي وبحث عن الناس، ليعلِّم، ويشفي، ويخلِّص.

هذه حرية أبناء الله. هذه الحرية والتفرغ لعمل الله. لا شروط ولا قيود. عمل غير مرتبط بأبنية، ولا بمال، ولا بوسائل. هذا هو عمل الله، عمل الروح، الذي يثمر مئة بالمئة. بينما جهودنا المرتبطة بوسائل كثيرة، قد تتعثر بالوسائل نفسها، فتصبح الوسائل عقبات دون عمل الروح.

حرية الروح فينا. روح الله فينا. نعمل ونجتهد، لكن الله هو الذي يعمل وهو الذي يجعل عملنا مثمرًا. الخالق واحد هو رب الكون ومدبره. ونحن معاونون لله. هكذا ينمو الزرع فينا وفي كل إنسان نلتقيه، لأن الله هو الذي ينميه. قال يسوع: إن ثبتم فيَّ وأنا فيكم تأتون بثمر كثير. 

حرية أبناء الله. نعمل لكن لا وحدنا، بل مع الله. لا لمجدنا بل لمجده. مثل يسوع: متجوِّلون نصنع الخير، ونمنح محبة وعزاء لكل أخ لنا.   

جاء يسوع ليخلِّص كل إنسان. أحب الناس كلهم ودل الجميع على طريق الخلاص. ومن اجل الجميع، ومن اجل الذين كانوا ينتقدونه أيضًا، جاء ليمنح الخلاص.

الفريسيون لم يعرفوا يسوع. أُعطِيَ لهم أن يعرفوه، أن يسمعوه ويروا أعماله. لكنهم لم يروا ولم يسمعوا. نظروا إلى تلاميذه يقلعون السنبل ويأكلونه، يوم سبت، فقالوا إنهم يخالفون شريعة الله، وحكموا عليه وعليهم أنهم ليسوا من الله.

        الحكم على المظاهر، ورؤية الحقيقة. نحن أيضًا، تخفى علينا مرارًا رؤية الحقيقة في قريبنا، فنحكم على المظاهر، أو بحسب مشاعر فينا، نحكم على أخينا والله لم يحكم عليه، وقد يكون في نيته وفي روحه أقرب منا إلى الله، وإلى الخير.

"لَو فَهِمْتُم مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ: إنَّمَا أُرِيدُ الرَّحمَةَ لَا الذَّبِيحَةَ، لَمَا حَكَمْتُم عَلَى مَن لَا ذَنبَ عَلَيهِم" (٧). 

الله يريد رحمة الإنسان، لا الحكم عليه. إنه عالم بما في الإنسان، وبما يقدر الإنسان وبما لا يقدر. ويعرف ما فيَّ، الخير الذي فيَّ وإمكانات الشر التي فيَّ، ويحبني، كما أنا. ويريدني أن أحب كل أخ لي كما هو، وأن أدعوه إلى الحياة وإلى النور. ولن أعرف أن أدعوه إلى الحياة وإلى النور، إلا إذا نظرت إليه كما ينظر الله إليه. بمحبة. بقلب كبير، مثل قلب الله.

        ربي يسوع المسيح، جئت من أجل خلاصنا. وأنت عالم بما فينا من خطيئة. رحمتنا وغفرت لنا. أعطني أن أكون دائمًا طالبَ الخلاص لنفسي ولكل إخوتي. لا تسمح بأن أكون ديّانًا لإخوتي، بل أن أحبّ كما تحبُّنا أنت. آمين.

الأربعاء ٨/٢/٢٠٢٣