تُوبوا، قدِ اقتَرَبَ مَلكوتُ السَّمَوات - متى ٤: ١٢-٢٣

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

١٢وبَلَغَ يسوعَ خَبرُ اعتِقالِ يوحنَّا، فلَجأَ إِلى الجَليل. ١٣ثُمَّ تَركَ النَّاصِرَةَ وجاءَ كَفَرْناحوم على شاطِئِ البَحرِ في بِلادِ زَبولونَ ونَفْتالي فسَكَنَ فيها، ١٤لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا: ١٥ أَرضُ زَبولون وأَرضُ نَفْتالي، طَريقُ البَحرِ، عِبرُ الأُردُنّ، جَليلُ الأُمَم. ١٦الشَّعبُ المُقيمُ في الظُّلْمَةِ أَبصَرَ نُورًا عَظيمًا، والمُقيمونَ في بُقْعَةِ المَوتِ وظِلالِه، أَشرَقَ عليهِمِ النُّور. ١٧وبَدَأَ يسوعُ مِن ذلك الحِين يُنادي فيَقول: «تُوبوا، قدِ اقتَرَبَ مَلكوتُ السَّمَوات. ١٨وكانَ يسوعُ سائرًا على شاطِئِ بَحرِ الجَليل، فرأَى أَخَوَيْنِ هُما سِمعانُ الَّذي يُقالُ لَه بُطرُس وأَندَراوُس أَخوهُ يُلقِيانِ الشَّبَكَةَ في البَحرِ، لِأَنَّهما كانا صَيَّادَيْن. ١٩فقالَ لَهما: اتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر. ٢٠فتَرَكا الشِّباكَ مِن ذٰلك الحينِ وتَبِعاه. ٢١ثُمَّ مَضى في طَريقِه فرأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْن، هُما يَعْقُوبُ بنُ زَبَدَى ويُوحَنَّا أَخوهُ، معَ أَبيهِما زَبَدى في السَّفينَةِ يُصلِحانِ شِباكَهما، فدَعاهما ٢٢فتَرَكا السَّفينَةَ وأَباهُما مِن ذٰلك الحينِ وتَبِعاه.

تُوبوا، قدِ اقتَرَبَ مَلكوتُ السَّمَوات - متى ٤: ١٢-٢٣

سنة جديدة ٢٠٢٦. وحرب قديمة، قصد إبادة، مستمرة من٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ثم وقف إطلاق النار في ٩/١٠/٢٠٢٥. صراع بلا حل. لا يراد له الحل إلا بالإبادة. مستوطنون وجنود يعتدون. وتدمير بيوت وتهجير، والإنسان يقتل ويُسجَّلُ رقمًا يزداد كل يوم. ومع ذلك، الأمل في هذه السنة أن تكون جديدة، وفيها خير جديد هو سلام وعدل. الله سيفتقد أرضه وأهلها.

"وأَنتَ يا رَبُّ، لا تَتَباعَد، يا قُوَّتي، أَسرِعْ إِلى نُصرَتي" (مزمور ٢٢: ٢٠). ارحمنا، يا رب. لا تتباعد. تعبنا وما زال الموت يفترسنا. لم نسمع بعد بقرار جديد، يقول لنا أنه يجوز لنا بأن نوجد في أرضنا. ما زلنا تحت حكم أقوياء لا يرون ويقولون لنا: لا يحق لكم أن توجدوا هنا: إما الرحيل وإما الموت. ربنا، أنت ملجأنا الوحيد. هلم بادر إلى معونتنا. أنر واهدِ "الأقوياء" العميان، حاملي الموت إلينا... ارحمنا، يا رب، وارحمهم. أعطنا السلام وارحمنا.

إنجيل اليوم

في إنجيل اليوم فكرتان نتأمل فيهما:

- توبوا فقد اقترب ملكوت الله

- يسوع يدعو الرسل الأولين

ملكوت الله قريب، الله قريب، من كل خليقته، قريب من كل واحد منا. أنت لست وحدك في حياتك، لست وحدك مع إخوتك وأخواتك، لست وحدك مع "أقوياء" هذه الأرض، المستبدين الظالمين، لست وحدك في آلامك، لست وحدك على الأرض. الله معك. الله القدوس القوي الذي لا يموت، معك. استيقظ وانظر، إنه معك.

إذن، لا تخف. لست وحدك في صنع حياتك. فلا تستسلم للتعب، ولا للشكوك. تقدم، بمشقة؟ لكن بفرح أيضًا وكن واعيًا أن الله معك، الله أبوك محُبُّكَ.

ملكوت الله، هو عالَم آخر، هو الذي ننتظره، عالَم صالح يبعد الموت عن النفس وبين الناس. الأرض مع كل صعابها، وبالرغم من كل شر الإنسان، هي أرض لله، وللحياة. أرض لأبناء الله، هي أرضٌ قداسةُ الله فيها تبعد شر الناس، وكل شر في نفسك.

ثِق بنفسك، يمكن أن تكون صالحًا بما أن الله معك. الله معك، فانظر في كل لحظات حياتك، في ضوء هذه الحقيقة: ملكوت الله قريب، لستَ في مملكة الناس فقط، أو مملكة الخطيئة، خطيئتك أو خطيئة غيرك، أنت في النور، في فرح الحياة، أنت مع أبيك وكل أبناء الله، إخوتك وأخواتك.

دعوة الرسل الأولين

جاء يسوع من أجلنا، من أجلي، لكي يدعونا لنتبعه. جاء يسوع وسار بين الناس وعلَّمَ أن ملكوت الله قريب. ودعا البعض ليتبعوه. دعا التلاميذ الأولين على شاطئ بحيرة طبريا: بطرس وأخاه أندراوس، ويعقوب وأخاه الشاب يوحنا. قال لهم يسوع: اتبعوني، فتركوا كل شيء وتبعوه. كانت لهم حياتهم، وعملهم، وعائلتهم، وكان لهم بيت... تركوا كل شيء وساروا مع يسوع في مغامرة، لا يعرفون نهايتها. سيعرفون يوما.

سيظهر يسوع نفسه لهم. ولن يعرفوه إلا في النهاية، بعد الموت، وانتصاره على الموت.

ونحن يسوع دعانا أيضًا. وقال لكل واحد منا: اتبعني. ماذا يعني لنا: أن نترك كل شيء؟ نترك كل شيء لنكون أحرارًا، فنضع يدنا في يده، ونتبع الطريق الذي يريده هو. نتبع ونسأل أنفسنا: من هو يسوع المسيح؟ وكيف نقدر أن نتبعه؟ وأي نور جديد يعطيني حتى أحيا حياتي، على الأرض نفسها، لا أتركها، بل أقدِّسها، وأقدِّس إخوتي وأخواتي، فأقدس نفسي.

أترُكُ كل شيء وأتبَعُ يسوع، وأحمل كل ثقل الأرض وخطيئتها. في هذه الأرض المقدسة، أحمل ثقل سرها، سر الله الذي صار إنسانًا ليخلصنا. فيها مات ثم قام. في أرضنا نحن مدعوون لأن نحيا في نور أو في ظلمة سر الله.

يسوع يدعو ويقول: اتبعني، فأتبعه. حياتي هي هذا: أن أتبع يسوع، وأراه، ولا أفهم أمورًا كثيرة في هذه الأرض. أتبعه، وأتألم وأقع وأقوم، وأتبعه.

ربي يسوع المسيح، احفظني معك. أعطني أن أعلم دائمًا أنك على هذه الأرض معي. آمين.

الأحد ٢٥/١/٢٠٢٦                          الأحد الثالث من السنة