بلاد السمن والعسل – مستشفى الناصرة الإنجليزي

الكاتب : ابتسام حنا المعلم – الناصرة

الأمور الغريبة والاستثنائية تحدث في كل زمان ومكان، لكن ما يحدث في بلادنا هو أن الاستثنائي أصبح عادياً وروتيناً يومياً، بل أكثر من يومي. نستيقظ في الصباح على أخبار هامة وخطيرة، وما أن يأتي المساء حتى نكون قد نسيناها لأن أحداثاً جديدة أزاحت السابقة عن مكانها واحتلت الصدارة لبضع ساعات. في المناطق الفلسطينية، يُعتقل الفلسطيني ويُقتل برصاصة في رأسه أمام والديه وعائلته.

بلاد السمن والعسل – مستشفى الناصرة الإنجليزي

أما مَن لا يُقتل في الحال ولكن يُعتقل، فإنه يُسحَب ويُجَر على الأرض كما يُسحب ويُجر كيس رمل أو كيس حجارة، وذلك قبل أن يُعذّب وتُكسر عظامه ويُهدم بيته.
أما في داخل اسرائيل، في الوسط العربي الفلسطيني : تضييق على البشر، مصادرة أراض ٍ،هدم بيوت، إهمال وعدم مساواة في التعليم، في الصحة، في الميزانيات، في فرص العمل.. تراكم في التمييز الى أن وصلنا في السنوات الأخيرة الى العنف والقتل، تجارة أسلحة وقتيل أو أكثر كل يوم، وما من عقاب وما من معاقَب. بل ان بعض المسؤولين يلقون باللائمة على الضحايا أنفسهم، ولكن بعضهم كان أكثر صراحة ووضوحا واعترفوا أن هناك سياسة " دعهم يقتلون بعضهم بعضاً".

أسلوب القتل، شكله، أسبابه، وأدواته كثيرة ومتنوعة، لكن أن تصل الأوضاع المزرية الى أن يُقفل مستشفى لعدم تسلّم العاملين أجورَهم، فهذا قتل من نوع جديد لم يخطر ببال أحد. فماذا سيفعل المريض عندما يتوجه الى قسم الطوارئ ويجده مقفلاً؟ ماذا سيفعل إن كان يشكو من جلطة على القلب أو في الدماغ؟ ماذا سيفعل إن كان مصابا بكسر في عظامه أو بجرح نازف أو كانت الزائدة ملتهبة أو منفجرة في أمعائه؟ نعود ونكرر ما كنا قد كتبناه سابقاً، ان مستشفيات الناصرة الثلاثة أُقيمت منذ أكثر من مئة وخمسين عاماً على يد مؤسسات مسيحية أوروبية، خدمت وتخدم جميع سكان المنطقة بغض النظر عن أصلهم أو دينهم أو جنسهم.

دولة اسرائيل القائمة منذ أربعة وسبعين عاماً لم تبن مستشفى واحداً في منطقة الناصرة لخدمة أهلها والجوار الكبير. تمويل هذه المستشفيات كان ولفترة طويلة مستنداً على المساعدات المقدمة من تلك المؤسسات الأجنبية التي حملت جزءاً كبيراً من الحمل الذي يُفترض أن تقدمه الدولة لمواطنيها. حالياً وزارة الصحة ووزارة المالية وصناديق المرضى هي التي تدفع للمستشفيات مصاريف علاج المرضى. 

لكنها تدفع للمستشفيات الأهلية نسبة أقل بكثير مما تدفعه لباقي المستشفيات. فهل هذا هو العدل وهل هذه هي المساواة؟ هل المريض في مستشفيات الناصرة لا يستحق العلاج والرعاية المقدمين للمواطن اليهودي في مستشفيات أخرى؟؟ مستشفى الناصرة لا يطالب ببعض الأموال لدفع أجور موظفيه لشهر واحد فقط، هو يطالب بالمساواة في مجال الصحة كما يطالب كل عربي فلسطيني في داخل اسرائيل بالمساواة في كل مجالات الحياة. 

هذا مثال صارخ على التمييز في مجال الصحة لكنه ليس المثال الوحيد، كما أن الصحة ليست مجال التمييز الوحيد الذي يواجهه المواطن العربي الفلسطيني في داخل اسرائيل إذ لا يخلو مجال من التفرقة والتمييز بين المواطن اليهودي والعربي. هل هذه هي الدولة "الديمقراطية " التي تتباهى بديمقراطيتها أمام العالم أجمع بينما المساواة هي أحد الأسس الرئيسية لنظام يدّعي الديمقراطية؟ هل "وثيقة الاستقلال" التي أعلنت العدل والمساواة بين كل مواطني الدولة، كانت صالحة للسياسة الخارجية فقط؟ أظن أن علينا أن نقرأ أو أن نُعيد قراءة تقرير منظمة أمنستي، مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذي نُشر قيل أشهر قليلة حول نظام التمييز في اسرائيل. 

كيف يمكن لدولة "تحترم" نفسها ومواطنيها أن تسمح بإغلاق مستشفى أمام مئات الألوف من المعالَجين؟ فمهما كانت الأسباب التي تدّعيها الحكومة لعدم دفع مستحقات هذا المستشفى، أكانت أسباب إدارية أو غيرها، لا يحق لها أن تمنع وتقطع معاشات العاملين فيه وتوصلهم الى اليأس والتوقف عن العمل. بقيت لدي ملاحظتان: أولاً، بأية سرعة نسيت الدولة وباء الكورونا وكيف حمل العاملون العرب في الجهاز الصحي، الى جانب زملائهم اليهود، ثِقَل هذا الوباء في كل مستشفيات الدولة. ثانيًا، هل تحدثت وسيلة إعلام عبرية واحدة عن أزمة مستشفيات الناصرة؟