العام الثلاثون .. حلم جميل وواقع أليم

الكاتب : الأب إبراهيم فلتس - نائب حارس الأراضي المقدسة

يوم الحادي والعشرين من كانون الأول من العام 1995 كان يوماً مميزا وعظيما لبيت لحم، في هذا اليوم بدأت مرحلة جديدة من حياة بيت لحم خصوصا وفلسطين عموما، حيث شهد دخول السلطة الوطنية الفلسطينية الى مدينة الميلاد وعاصمته، كان تحديا كبيرا لنا على صعيد المراسم الدينية وترتيبات احتفالات عيد الميلاد، فلم يكن امامنا حينها سوى يومين تقريبا للتحضير لعيد الميلاد من الناحية الدينية والروحية والتنظيمية، ولاستقبال الرئيس الخالد ياسر عرفات بكل ما يحمله من تحديات ومعاني ورسائل أيضا.

العام الثلاثون .. حلم جميل وواقع أليم

شكل ذلك اليوم بداية لتجسيد حلم فلسطيني طال انتظاره، بعد سنين من التضحيات والتحديات. وها نحن نقوم اليوم بالتحضير لعيد الميلاد بعد ثلاثين عاما متصلة، اتسمت بزيادة التحديات عاما بعد عام، فمن ذروة الفرح والبهجة الروحية والاجتماعية والوطنية، الى قمة الحزن والألم. فهل نسمح بتلاشي الأمل أمام هذا السيل الجارف من دماء الأطفال والدمار والتشريد؟ ترتيبات عيد الميلاد تحمل بعدين، بعد روحي وبعد حقوقي، تماما كدخول السلطة الفلسطينية الذي حمل بعدين أيضا: وطني وحقوقي.

        على مدار تلك الأعوام الثلاثين، من التحضير لترتيبات عيد الميلاد، واجهتنا العديد من المشاكل والتحديات، والتي كانت تزداد كل عام لتحمل معها الفرحة الممزوجة بالأمل، الى جانب الحزن الممزوج أيضا بالأمل. فهذه أرض الأمل ولن تكون أرض اليأس. من يتابع محتوى هذه الترتيبات يجد أنها توثق حقوقا تاريخية يجب التعاون للمحافظة عليها، فمن انطلاق موكب غبطة البطريرك من القدس الى مار الياس ليكون بانتظاره هناك مستقبلا ومرحبا رئيس بلدية بيت جالا وكاهن رعيتها ووجهاء المدينة والرعية، على اعتباره الحدود التاريخية لمدينة بيت جالا، ومرافقته الى منطقة قبر راحيل حيث يستقبله كاهن رعية بيت لحم ونائب رئيس بلديتها ومؤسسات الرعية بالإضافة الى رئيس وأعضاء وكاهن رعية بيت ساحور للتأكيد على حفاوة الاستقبال وأن من هناك تبدأ بيت لحم، لينطلق الجميع بمرافقة الشرطة الفلسطينية الى ساحة المهد مرورا بالكشافة والحشود البشرية الهائلة المحلية والعالمية، وجرت العادة منذ سنوات ليست بطويلة ان يترجل البطريرك من مركبته ويسير مشيا على الاقدام حتى ساحة المهد ليستقبله هناك رئيس بلدية بيت لحم والمحافظ وقائد الشرطة وقائد المنطقة، في صورة رمزية تعبيرية وجوهرية تحمل تثبيتا لحقوق مهمة جدا. ويلي ذلك مسير غبطته برفقتهم وخلفهم الوجهاء والأعيان والمؤمنين والحضور الى بلاط الكنيسة حيث يستقبله الرهبان بالصلوات التي تبدأ طقوسها من هناك ومرورا بكنيسة المهد وصولا الى كنيسة القديسة كاترينا. وانطلاقا من الأهمية الكبرى التي يوليها قداسة البابا فرنسيس الى القدس وبيت لحم والأرض المقدسة، أنعم على بطريركها برتبة كاردينال وهي من أعلى الرتب الكنسية والإدارية في الكنيسة الكاثوليكية ليقول للعام أجمع بأن القدس وبيت لحم وفلسطين والأرض المقدسة هي أم الكنائس.

        على مدار تلك الأعوام الثلاثين والتي بدأت فيها بيت لحم حياة جديدة في ظل السلطة الوطنية الفلسطينية والتي تشكل نواة الدولة الفلسطينية التي يصبو اليها الشعب وكل المؤمنين واحرار العالم على طريق تحقيق السلام العادل والشامل، حضر الرئيس ياسر عرفات الى بيت لحم ضمن سيل بشري لم تشهد له المحافظة مثيلا، وبدأ التقليد السنوي بحضوره قداس عيد الميلاد المجيد، وما زالت كلماته في أذني حين كان يقول لي: انت تصلي عيد الميلاد مرة واحدة، أما أنا فأصلي عيد الميلاد ثلاث مرات، في إشارة الى مشاركته في العيد مع الكنائس الثلاث الشقيقة: اللاتينية و الأرثوذكسية والأرمنية. ليواصل الرئيس محمود عباس هذا الطريق قولا وفعلا، ويشارك في صلوات عيد الميلاد ثلاث مرات.