الحرب والتمييز الفاضح بين اللاجئين
الكاتب : فيرا بابون – رئيسة بلدية بيت لحم سابقا
الحرب هي الحرب والخسارة فيها ليست فقط تحاكي الحجر بل الإنسان والإنسانية أيضاً. نحن كشعب فلسطيني بشكل خاص والشعوب العربية بشكل عام وخاصة التي عانت من ويلات الحروب نفهم لا محالة معاني التشرد واللجوء والفقدان والألم وكل الأبجديات التي تحملها فصول الحروب.
كلما مر يوم على الحرب الروسية الأوكرانية كلما تضاعفت الخسائر وكلما تضاعفت ردات الفعل من القوة العالمية بإختلاف مصالحها وتحالفاتها. وليس لنا، نحن من عانينا من ويلات الحروب والتعامل الدولي المزدوج باتجاه شعبنا وقضيته الإنسانية العادلة إلا أن نعيش مشهد الحرب التي تجري بعيداً عنا وكأنها قريبة منا ليس فقط كشعب ما زال جرح أرضه وشعبه ينزف بل أيضاً كمن عليه هو والشعوب العربية قاطبة إستخلاص العبر وطرح تساؤلات وجودية عسى ولعلَ أن تشفع لنا في وحدة الألم والخلاص منه.
عند بدء اللجوء الأوكراني تعالت أصوات المراسلين الصحفيين الأوروبيين بتوجيه خطاب لنجدة الأعداد الكبيرة من اللاجئين الأوكرانيين وهذا حق ورسالة إنسانية لتدارك بعض من ويلات هذه الحرب. ولكن الخطاب لم يكتف بالمطالبة بفتح الدول الأوروبية لحدودها بل شهدنا خطاباً تداركت فيه مستوى الفجوة بيننا نحن العرب والشعوب الغربية، خطابٌ أسأل فيه منظومتنا ووعينا العربي لماذا سمحنا بذلك؟ سمعت خطابا استعمارياً لم يتغير وكأن ذاكرة الاستعمار وروايته ما زالت حية وتنبض عنصرية، فكانت هناك نداءات تطالب الدول المجاورة بقبول اللاجئين الأوكرانيين لأنهم: "ليسوا كلاجئي سوريا والعراق واليمن …. فهم أوروبيون ومتحضرون ومتعلمون وذوات بشرة بيضاء وليسوا كباقي اللاجئين العرب"، وكأن اللاجئ العربي هو خارج المنظومة الإنسانية التي وضعها الغرب ونحن للأسف وكأننا قبلنا بها.
بعد بدء اللجوء الأوكراني الى دول أوروبية مجاورة حيث الأخيرة فتحت لهم حدودها وقلوبها، واستقبلتهم دون شروط أو قيود ومنحتهم الإقامات والمساعدات، نجد ذاتنا أمام مقارنة مؤلمة حين يكون اللاجئ العربي من يتصدر المشهد. لاجئ فر خوفاً وقهراً وقلة حيلة ومقدرة من أوطانه نتيجة الحروب الأخيرة التي شهدها شرقنا العربي ليجد نفسه أمام مشهد مرعب من اللجوء. مشهد يختلف جذرياً عن ما نراه في الحرب الأوكرانية. مشهد فيه أبواب الدول العربية مغلقة الا بعض منها. مشهد خارطته قوارب تخوض غمار أمواج البحار العاتية أو مركبات مكدسة، تفترس البر هروباً لتصل حدوداً توفر لراكبيها خياماً وكأنها ستصبح أوطاناً جديدة، وإما نجاح في الوصول الى حدود أوروبية ينتظر فيها اللاجئ في معسكرات اللجوء حتى يتم البت في أمر إقامته أو إرجاعه ليواجه رحلة عودة جبرية الى حالة في الأصل هي من نسجت ظروف لجوئه. وإن نجح البعض في الوصول الى قلب عالمه وحدوده العربية، نجده يواجه شروطاً وقيوداً وجودية لا يكفي وصفها بالقمعية والتعجيزية .
الحروب قاسية والعدالة فيها غائبة والرحمة مفقودة. ندعو أن تنتهي الحرب على الأراضي الأوكرانية قبل أن تحصد الأخضر واليابس، فسلاح الحروب أعمى ومعاناة الضحايا بَكماء وكإن إنسانية الإنسان صماء. ونحن من عانينا من ويلات الحروب لعقود وعقود علينا أن نبني رؤية وجودية تتخطى حاضر التفرقة والفُرقة، وإلا سنجد السراب رفيقاً والفُرقة عدواً يستبيح الأرض والإنسان.







