البابا في الجزائر..أعمق من زيارة تاريخية

الكاتب : المعتز بالله منصوري – موقع "الجزائر اليوم"

في هذا الصباح الربيعي الماطر من شهر أبريل، تصل طائرة قداسة البابا لاوُن الرابع عشر لتحط في مطار هواري بومدين الدولي، إيذانا ببداية أول زيارة تاريخية له إلى الجزائر المستقلة. الزيارة، في رمزيتها على الأقل، تتجاوز بعدها البروتوكولي لتطرح أسئلة أوسع حول معنى السلام في عالم مضطرب.

البابا في الجزائر..أعمق من زيارة تاريخية

يحل “الحبر الأعظم” في الجزائر، ولا تزال حقول القمح الشاسعة، تسقى بأمطار الخير أياما قليلة قبل أن تكتسي السنابل اللون الذهبي، وأزهار السهول مندفعة، وتزداد التلال والجبال رسوخا وشموخا.

وتأتي زيارة الزعيم الروحي لأكثر من مليار كاثوليكي، إلى الجزائر، وصحراؤها تتهيأ لقسوة الشمس، وتستعد لإنضاج كميات أكبر من أجود أنواع الغذاء.

تطأ قدماه أرضا تنبض بالحياة، مقبلة على العالم، تحمل أغصان الزيتون وسنابل القمح، تمضي بهمة عالية ومقام رفيع، وخلفها قرون من الكرامة والكبرياء والإباء.

لذلك، عندما تختار الكثير من الصحف عنوان “السلام” لربط هذه الزيارة التاريخية، فهي لا تجانب الصواب ولا تخالف التاريخ العريق لأرض الجزائر، التي كانت ولا تزال رمزا للسلام، بكامل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات.

لأن الأمر لا يرتبط بالسياق الدولي الحالي الواقف على حافة الهاوية فحسب، بل بالمرجعيات الأصيلة لقيمة السلام التي تتميز بها الجزائر، والتي يتوقع أن يتجدد حضورها إلى العالم في خضم هذه الزيارة.

ومن أسمى هذه المرجعيات صون الجزائر لذاكرة الإنسان وإرثه، رغم ما عاصرته من تقلبات الدهر ومصائبه.

وبفضل هذه القيمة الكبرى، لا يزال إرث القديس أوغسطين حيا وشاهدا على ذلك، وهو ما سيحقق رغبة عزيزة في نفس البابا ليون الرابع عشر، الذي يعتبر نفسه “ابنه”، مثلما سبق أن صرح.

وبفضل ما راكمته عبر قرون طويلة في مسارها نحو السلام والازدهار، تحتفظ الجزائر بمكانتها الرفيعة كإحدى الدول التي يحق لها الحديث عن السلام الذي حققته واستحقته، بتضحيات جسام، فحافظت على نفسها، وساهمت في صقل وترسيخ قيم إنسانية تحتاجها البشرية اليوم حتى تنعم بالعيش المشترك.

ومن جامع الجزائر، هذا الصرح الديني والحضاري الذي أثير حوله الكثير منذ بداية إنشائه إلى تدشينه، سيخاطب قداسة البابا العالم، متحدثا عما يراه ضروريا لكبح نزعات العنف لدى بعض بني البشر، التي يجري تغليفها أحيانا بخطاب ديني.

وعلى مسافة غير بعيدة من جامع الجزائر ومنارته الشاهقة، التي تعد من بين الأطول في العالم غربا، تلوح بوضوح كنيسة السيدة الإفريقية.

وهي صورة تختزل أسمى معاني التسامح وحوار الأديان والحضارات، وتبرز تفاصيل التعايش اليومي بعيدا عن منطق التفوق أو الهيمنة أو الغلبة بالقوة أو الازدراء.

ومن هذه المنارة الشاهقة التي تباهي بها الجزائر الأمم، يمكن للحبر الأعظم أن يرى الأفق المتوسطي الهادئ، حيث تمد الجزائر جسور السلام والعيش المشترك مع جيرانها في الضفة الأخرى.

ومن الجزائر يمكن استشعار إمكانية بلوغ عالم أكثر عدلا وتوازنا في الرخاء والتعايش الإنساني، كما يمكن استيعاب دروس التاريخ في مصائر الخارجين عن سنن الاستقرار، والتأكد من حاجة العالم إلى الجزائر كجسر متين يلتقي عبره كل الخيرين في المعمورة.