الأحد ٣٠ من السنة/ج - لوقا ١٨: ٩-١٤
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس الأسبق للاتين
٩. وضرب أيضا هذا المثل لقوم كانوا متيقنين أنهم أبرار، ويحتقرون سائر الناس: ١٠. صعد رجلان إلى الهيكل ليصليا، أحدهما فريسي والآخر جاب. ١١. فانتصب الفريسي قائما يصلي فيقول في نفسه: اللهم، شكرا لك لأني لست كسائر الناس السراقين الظالمين الفاسقين، ولا مثل هذا الجابي.
١٢. إني أصوم مرتين في الأسبوع، وأؤدي عشر كل ما أقتني.
١٣. أما الجابي فوقف بعيدا لا يريد ولا أن يرفع عينيه نحو السماء، بل كان يقرع صدره ويقول: اللهم ارحمني أنا الخاطئ!
١٤. أقول لكم إن هذا نزل إلى بيته مبرورا وأما ذاك فلا. فكل من رفع نفسه وضع، ومن وضع نفسه رفع.
"ضَرَبَ أيضًا هَذَا المــَثَلَ لِقَومٍ كَانُوا مُتَيَقِّنِينَ أَنَّهُم أبرَارٌ، وَيَحتَقِرُونَ سَائِرَ النَّاسِ" (٩).
"لِقَومٍ كَانُوا مُتَيَقِّنِينَ أَنَّهُم أبرَارٌ". يسعى الإنسان إلى الصلاح، ويأمل ويرجو أن يكون صالحًا أمام الله، وحسَنَ المعاملة مع الناس. هذا مسعى كل إنسان: أن يكون صالحًا، بعيدًا عن الخطيئة في نفسه، وعن الإساءة إلى غيره. لكن، أَن يظنَّ الإنسان أنه بلغ واستقر في الصلاح؟ وأن يحتقر غيره، وأن يرى نفسه أفضل من غيره؟ أولا، الكبرياء أمام الله، أن ترى نفسك كبيرا وحدك، من دون الحاجة إلى الله، هذه خطيئة. فأنت بحاجة دائمة إلى الله. وأنت كبير بالله فقط، هو سبحانه الذي صنعك كبيرًا فجعلك أهلًا لأن تعبده وتسبحه. ثم كبير أمام الله ومحتقِر للناس؟ هذان موقفان متناقضان. كبير أمام الله متواضع مع الناس، ومحِبٌّ لكل إخوتك الناس. أمّا محتقِر للناس، فأنت أصغر الناس، وأنت نفسك أحقر الناس أمام الله، لأنك تحتقر إخوتك الناس.
والمثل. رجلان ذهبا إلى الهيكل للصلاة، للسجود أمام الله، لحمد الله على جميع إحساناته، وللاستغفار. لكن أحد هذين الرجلين، بدلًا من أن يقف أمام الله وقف أمام نفسه: وبدلّا من أن يسبِّح الله سبَّح نفسه، ورأى نفسه فوق الناس. وأمام الله، ربِّ الناس والخليقة كلها، تجرأ واتهم أخاه الواقف مثله أمام الله. نظر إليه واحتقره. "لَسْتُ كَسَائِرِ النَّاسِ السَّرَّاقِينَ الظَّالِمِينَ الفَاسِقِينَ، وَلَا مِثلَ هَذَا الجَابِي" (١١). هذا الرجل لم يُصَلِّ، ولم يصعد إلى الهيكل، ولم يقف أمام ربِّه. ظنَّ أنه يفعل كذلك أمام الناس، والناس رأوه يصلِّي، وطنُّوا أنه صلَّى، لكن الله الذي يرى ما ف القلوب، الله محبُّ البشر، لم يقبل صلاته، لأنها أصلًا لم تكن صلاة، بل غرور إنسان أمام الله تعالى، ولأنها احتقارٌ لأخٍ له، ابن الله. تصلي وتحتقر أخاك؟ وتظلمه؟ وتسيء إليه؟ وتخدعه؟ كلا هكذا، لا تصلي، بل تخدع نفسك. الله الذي يرى ما في القلوب، يراك. بدِّلْ صلاتك وتُبْ، حتى يغفر الله لك، ويرى فيك ابنًا صالحًا فعلًا محِبًّا ومكرِّمًا لأخيك، ولكل إخوتك، من دون تمييز.
والرجل الآخر صلَّى. "كَانَ يَقرَعُ صَدرَهُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ، ارحمَنِي، أَنَا الخَاطِئَ!" (١٣). هذا صلَّى. هذا وقف أمام الله فعلًا. ورأى الله ما في قلبه، وقبل صلاته، ورَحِمَهُ. وبرَّره من خطاياه. هذا خاطئ واعترف بخطيئته، والآخر خاطئ، وزاد إلى خطيتئه خطيئتين: أولا، الغرور والظنّ أنه بارُّ وهو مُلَوَّثٌ بالخطيئة ولا يعلم، والثانية، احتقر أخاه. هذا لم يصلِّ: جاء خاطئًا ورجع إلى بيته خاطئًا. والجابي المسكين جاء خاطئَا وعاد إلى بيته مغفورًا له، مبرورًا.
اللهم، علِّمْنا أن نصلي. أن نعرف أنفسنا. أنت صنَعْتَنا كبارًا. نحن كبار بك، أقوياء بك، محِبّون بك، - أما وحدنا فلا نعرف أن نحِبّ، وقوتنا تصير احتقارًا وظلمًا لإخوتنا واعتداء. بك نحافظ على إنسانيتنا، بك نكون، وبدونك لا نكون. علِّمْنا أن نرى الحقيقة أمامك. وإذا حضرنا أمامك، علِّمْنا أن نرى ما نحن، أنَّ فينا إمكانية لعمل الصالحات، وإمكانية للخطايا. وإذا خطِئْنا، أعطنا أن نرى أنفسنا خطأة فنستغفر، ونعود إليك، فنعود إلى أنفسنا، وإلى كل إخوتنا. آمين.
الأحد ٢٣/١٠/٢٠٢٢






