الأب سمعان نصار.. خوري البلد
الكاتب : فتحي فوراني
القيامة - قراءة حول كتاب "الحركة الوطنية والثقافية في الناصرة من خلال أوراق خوري البلد سمعان نصار"، من تأليف الباحث خالد عوض.
اسمحوا لي بداية أن أفتح الملفات وأكشف لكم عن مشاعري الشخصية التي أطلعها أرشيف الزمن الجميل..في مدينة البشارة.
لقد نشأتُ في الناصرة عندما كانت ناصرة..وكان جميع الأهالي قلبًا واحدًا..وألمًا واحدًا وأملًا واحدًا..وهمًّا واحدًا وفرحًا واحدًا..وكان التآخي والاحترام المتبادل والألفة والمحبّة هي ما يميّز أهلها. كانت أعيادنا مشتركة تسودها الأجواء الدافئة المفعمة بالمحبة والفرح..لم نعرف إطلاقًا كلمة "طائفية"، ولم ننتبه إلى ما يُسمى الانتماء الديني أو الطائفي أو المذهبي لأصدقائنا وجيراننا وأحبتنا أولاد بلدنا وأبناء صفنا. ولم نكن نفكر عندما نتصادق ويصادق أحدنا الآخر من أبناء شعبه إلى أي طائفة ينتمي. كانت أعياد الطوائف العربية في المدينة أعيادًا لجميع الأهل في مدينة البشارة. هل يتذكر أبناء جيلي طيب الذكر أسعد كردوش (أبو إسحق)؟ ففي عيد العذراء كان الرجل يحمل قنينة حليب السباع ويدور على الشباب من جميع الطوائف المصطفّين صفًا واحدًا في سحجة شعبية في سوق الروم. كان يوزع الكؤوس على الشباب الذين يسحجون ويرددون بانتظام وعلى إيقاع واحد نداء السلام "يا عدرا عليكي السلام". وكان لي الشرف أن أنخرط في صف المحتفلين وأكون واحدًا من المشاركين في هذه السحجة الرائعة. أجواء لا أحلى ولا أجمل ولا أروع خيمت على مدينة البشارة. سقى الله ذلك الزمن الجميل. وترسّخ في عقلي وقلبي ووجداني..أن النسيج الاجتماعي المتماسك والأجواء الحضارية التي سادت مدينة البشارة..هي مشهد عزّ نظيره في الدنيا كلها..

الكاتب الأستاذ فتحي فوراني والكاتب الباحث خالد عوض
في هذه المدينة الأصيلة والنبيلة..نشأتُ..وعلى أيدي معلمين أجلاء وأكفياء تعلمتُ..وأطيب الناس صادقتُ..ومن عين عذرائها الأولى شربتُ..ومن الفكر المدافع عن كرامة الإنسان ومستقبله..تشرّبتُ..
في هذه المدينة تعمّدنا بالمدّ القومي في فترة الحكم العسكري..وفيها أحببنا عبد الناصر..وأنشدنا الأناشيد القومية..وطربنا للأغاني الوطنية..
هذه هي الناصرة التي عرفتها والتي ربّتنا على الخير والعطاء والمحبّة والتضحيات والإيثار والعزّة والكبرياء..وجميع القيم الإنسانية النبيلة.
هذه هي الناصرة الحقيقية التي أحبُّ أن أتذكرها دائمًا.
هذه هي ناصرة الخير التي أعتزّ بالانتماء إليها.
بناسها الطيبين تظل حجر الزاوية..وتظل قلعة شامخة وحصنًا حصينًا تتكسّر على أسواره سهام الجاهلية الحديثة!
أما المدينة التي تغطي سماءها غيوم الجاهلية..فأنا لا أعرفها..ولا أريد أن أعرفها..
إنها ليست مدينتي التي أحببتها!
**

وفي ظروف القحط والحصار ترتفع جدران العزل الثقافي الشاهقة والخانقة..فتغلق في وجهنا الأبواب والنوافذ والشرفات المطلة على عواصم الثقافة العربية. وفي هذه الظروف الحالكة ينطلق ضوء من آخر النفق وتبرز أيقونة المدينة الكاهن طيب الذكر المثقف والقائد والحبيب سمعان نصار.
لقد عرفت الرجل عندما كنت في المدرسة الابتدائية مدرسة أبو جميل..كانت المكتبة العصرية لسادنها العم سمعان في سوق الروم نبعًا غزيرًا تتدفق منه الخيرات الثقافية وتؤمّه الأجيال الصاعدة لتروي عطشها الذي أبدعه زمن القحط الثقافي..
آلاف الطلاب والمثقفين تعمّدوا في هذا النبع الثقافي لحارسه سمعان نصار ونهلوا من مياهه العذبة. ومن هنا كان للعم سمعان الفضل الأكبر على هذه الأجيال التي تزودت بخير الزاد وصانت هويتها الثقافية والوطنية.
**

الرجال مواقف
عند رحيل القائد جمال عبد الناصر..ما زالت الأجيال تذكر وقفة الكاهن سمعان نصار الذي وقف على قمة تلة ترابية مقابل كنيسة البشارة..وراح يخطب في البحر البشري مفتتحًا خطبته بعبارة..ألله أكبر..ثلاث مرات..ثم راح يُعدد مآثر الرجل الذي أطلعته أرض الكنانة وترك بصمته الخضراء على خارطة الدنيا العربية وعلى البحر البشري في مدينة البشارة.
في هذه الأجواء النصراوية الوطنية كان للعم سمعان حضور بارز في المشهد الثقافي. فقد كان حامل رسالة ثقافية وطنية بامتياز.
**
لقد شرفني أخي وصديقي الباحث خالد عوض أن أكتب كلمة تتصدر كتابه "الحركة الوطنية والثقافية في الناصرة من خلال أوراق خوري البلد سمعان نصار". فكان لي شرف مراجعة النصوص من ألفها إلى يائها. وقد استمتعت أيما استمتاع في رحلتي الثقافية مع الرجل في هذا الكتاب.
واسمحوا لي أن أتوقف عند نقطة جديرة بالاهتمام. أريد أن أؤكد على أهمية التوثيق الذي يبرع فيه الآخرون في تزييف التاريخ. للآخرين روايتهم وإبداعهم في تزييف التاريخ..ولنا روايتنا الحقيقية الصارخة التي تكشف تزييف المزيفين التاريخيين. وهذا الكتاب يعتبر وثيقة تاريخية على قدر كبير من الأهمية نشهرها تحديًّا حضاريًّا دفاعًا عن هويتنا وروايتنا التاريخية. إنه وثيقة وطنية تشكل قلعة حصينة تتصدى لمحاولة طمس هويتنا وثقافتنا وموروثنا التاريخي والحضاري وجذورنا التي تضرب عميقًا في رحم الأرض والتاريخ والحضارة.
إنه عمل وطني توثيقي من الطراز الأول. ويجب أن لا يقتصر دوره على احتلاله مرتبة بارزة تزين مكتباتنا ومؤسساتنا. واجبنا كآباء..كمعلمين ومربّين كمثقفين حاملي رسالة ومسؤولين عن تنشئة أجيال المستقبل..أن نفتح الشرفات أمام أبنائنا وأمام الأجيال الصاعدة وكشفهم على المسيرة النضالية لهذا الرجل التي تختصر قصة شعب..فهو مدرسة ونبراس يضيء الطريق نحو المستقبل الأفضل.
بوركت أخي الأستاذ خالد..ودمتَ باحثًا معطاء وحاملًا قنديلك للبحث عن الجذور التي تضرب عميقًا في رحم الأرض وتعزز هُويتنا الثقافية والتاريخية والحضارية.
ويبقى سؤال أخير لمن يهمه الأمر
ألا يستحق الأب سمعان نصار أن نطلق اسمه على أحد الشوارع في مدينة البشارة؟
ألا يستحق أن نعلق له على ساحة الكنيسة نصبًا تذكاريًا يذكر الأجيال الصاعدة بمآثر هذا الرجل؟
فللأب سمعان نصار ومعه كوكبة من الرموز الثقافية والقومية..تنصب التماثيل.
22-10-2021





