إذا كنت لا أعمل أعمال أبي فلا تصدقوني - يوحنا ١٠: ٣١-٤٢

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

٣١. فأتى اليهود بحجارة ثانية ليرجموه. ٣٢. أجابهم يسوع: أريتكم كثيرا من الأعمال الحسنة من عند الآب، فلأي عمل منها ترجموني؟ ٣٣. أجابه اليهود: لا نرجمك للعمل الحسن، بل للتجديف، لأنك، وأنت إنسان، تجعل نفسك الله. ٣٤. أجابهم يسوع: ألم يكتب في شريعتكم: قلت إنكم آلهة؟

إذا كنت لا أعمل أعمال أبي فلا تصدقوني - يوحنا ١٠: ٣١-٤٢

 

٣٥. فإذا كانت الشريعة تدعو آلهة من ألقيت إليهم كلمة الله - ولا ينسخ الكتاب - 

٣٦. فكيف تقولون للذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم: أنت تجدف، لأني قلت إني ابن الله؟ 

٣٧. إذا كنت لا أعمل أعمال أبي فلا تصدقوني. 

٣٨. وإذا كنت أعملها فصدقوا هذه الأعمال إن لم تصدقوني. فتعلموا وتوقنوا أن الآب فيَّ وأني في الآب. 

٣٩. فحاولوا مرة أخرى أن يمسكوه، فأفلت من أيديهم. 

٤٠. وعبر الأردن مرة أخرى فذهب إلى حيث عمد يوحنا في أول الأمر، فأقام هناك. 

٤١. فأقبل إليه خلق كثير وقالوا: إن يوحنا لم يأتِ بآية، ولكن كل ما قاله في هذا الرجل كان حقًّا. 

٤٢. فآمن به هنالك خلق كثير.

 

"أَجَابَهُ اليَهُودُ: لَا نَرجُمُكَ لِلعَمَلِ الحَسَنِ، بِل لِلتَّجدِيفِ، لِأَنَّكَ، وَأَنتَ إنسَانٌ، تَجعَلُ نَفسَكَ الله" (٣٣).

يسوع حاول ان يفتح اذهانهم وقلوبهم، لكن لا قوة لهم لان يرتفعوا فوق أنفسهم، - وكيف يرتفعون إن لم يُعطٍهم الله أن يرتفعوا. كلَّمهم يسوع بكلام أعلى من كلام بشر، لكنه صنع العجائب ليؤيد بها ما يصنع. البعض آمن، نعم، والبعض لم يؤمن. سمعوا ورأوا ومع ذلك، لم يُعطَ لهم أن يعرفوا من الذي يكلِّمهم. قال يسوع للمرأة السامرية عند بئر يعقوب: لو كنتِ تعرفين من الذي يكلِّمُكِ، وأعطاها أن تعرف، فعرفت وآمنت. يسوع يكرِّر لمستمعيه هنا الكلمة نفسها: لو كنتم تعرفون من الذي يكلِّمكم. لكنهم أصرُّوا على أن لا يعرفوا.

أصرُّوا على موقف "التدين" المنحرف، حيث يظن المؤمن أنه عليه أن يدافع عن الله، بقتل من لا يؤمن بالله، يقتل من يجدِّف. وكم من الناس قتلهم الناس باسم الله، والقاتلون يظنون أنهم يعملون عملًا حسنًا، بينما هم يسيئون إلى الإنسان وإلى الله خالق الإنسان. حتى اليوم يحصل ذلك في إيمان الكثيرين من المؤمنين. بدل الإيمان بالله، يجعلون من أنفسهم ديانين لإخوتهم، وقاتلين لهم.   

        المؤمنون الذين لا يرحمون أخاهم الإنسان، باسم الله، لا يرَوْن ولا يعرفون الله الذي هو محبة. ولا يرون الله الذي يرحم من لا يرحمونه هم، والذي يغفر لمن يحكمون عليهم هم.

موقفان في موقف المستمعين ليسوع الذين اتهموه بالتجديف فأرادوا أن يرجموه. الموقف الأول، يدَّعون الدفاع عن الله، وهم أنفسهم أصبحوا مجدفين وقاتلين.

والموقف الثاني، حاول يسوع أن يعلِّمهم، تنازل إلى ما هم فيه من ضعف وتواضع، صار إنسانًا مثلهم، وعلَّمهم بالقول وأيَّد تعليمه بالمعجزات، ولم يؤمنوا. بعضهم آمن. لكن معظمهم رفض الإيمان. وظلوا يتهمونه بالتجديف: إنه "وهو إنسان، يقول عن نفسه إنه الله". إنه يستوجب الموت.

الله يعاملنا المعاملة نفسها. يعلِّمنا بالأقوال والأعمال نفسها، في الإنجيل المقدس، - وبعضنا يقرأ ويصغي ويؤمن، وبعضنا لا يقرأ ولا يؤمن.

التعامل مع الله، إما يؤدي بنا إلى أن نفتح قلبنا وروحنا فنترك الله يرفعنا فوق ضعفنا، فنسمع ونرى، ونقبل نعمته فنؤمن، وإما نبقى منغلقين على أنفسنا لا نريد أن نرى أكثر من أنفسنا، فلا نؤمن بالله، ولا نرى حتى قريبنا. قد نكون شكليًّا مؤمنين، مسيحيين. لكننا بعيدون أو جاهلون لما يدعونا الله إلى الإيمان به.

نحن نتعامل مع الله. فلنكن متنبِّهين. الله يكلِّمنا. الله يدعونا. في وسط مساعينا وأتعابنا وأفراحنا وأحزاننا، لنكن واعين أن الله يكلِّمنا، لنسمع ونفهم ونرتفع، فنفهم ما يريد الله أن يعلِّمنا إياه، ولنتعلَّم من الله المحبة.

ربي يسوع المسيح، دعوت المستمعين إليك، في زمنك، ورفضوا الدعوة. وتدعونا اليوم. أعطنا أن نسمع وأن نرى، أعطنا ألا نسمح لأنفسا بأن نكون ديانين لإخوتنا، بل أن نحبّهم ونغفر لهم، كما أنت تحبهم، وتغفر لهم. آمين.  

الجمعة ٣١/٣/٢٠٢٣                      بعد الأحد الخامس في زمن الصيام