أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَر، وللهِ ما للهِ - مرقس ١٢: ١٣-١٧

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس

١٣وأَرسَلوا إِلَيهِ أُناسًا مِنَ الفِرِّيسيِّين والهِيرودُسيِّين لِيَصطادوه بِكَلِمَة. ١٤فأَتَوه وقالوا له: «يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادِقٌ لا تُبالي بِأَحد، لِأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس، بل تُعَلِّمُ سبيلَ اللهِ بِالحَقّ. أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَرَ أَم لا؟ أَنَدْفَعُها أَم لا نَدفَعُها؟» ١٥ففَطِنَ لِرِيائِهم فقالَ لَهم: «لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي؟ هاتوا دينارًا لِأَراه». ١٦فَأَتَوه بِه. فقالَ لَهم: «لِمَن الصُّورَةُ هٰذه والكِتابَة؟» قالوا: «لِقَيْصَر». ١٧فقالَ لَهم: «أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَر، وللهِ ما للهِ». فعَجِبوا لَه أَشدَّ العَجَب.

أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَر، وللهِ ما للهِ - مرقس ١٢: ١٣-١٧

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان.

"اَللَّهُمَّ اسمَعْ صَوتَ شَكْوايَ، ومِن هَولِ العَدُوِّ احفَظْ حَياتي" (مزمور ٦٤: ٢). ارحمنا، يا رب. "اَللَّهُمَّ اسمَعْ صَوتَ شَكْوايَ". ربنا، أبانا، هل تنتهي محنتنا؟ تقول لنا كما قلت للرسول بولس في شدائده: "تكفيك نعمتي". إنّنا نؤمن، يا رب. لكننا نموت، ونجوع، وشدائدنا كثيرة. الناس قساة، لا عاطفة في قلوبهم. الموت في قلوبهم. وأنت، يا رب، أبونا، جزيل الرحمة، لن تترك أبناءك. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

١٣وأَرسَلوا إِلَيهِ أُناسًا مِنَ الفِرِّيسيِّين والهِيرودُسيِّين لِيَصطادوه بِكَلِمَة. ١٤فأَتَوه وقالوا له: «يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادِقٌ لا تُبالي بِأَحد، لِأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس، بل تُعَلِّمُ سبيلَ اللهِ بِالحَقّ. أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَرَ أَم لا؟ أَنَدْفَعُها أَم لا نَدفَعُها؟» ١٥ففَطِنَ لِرِيائِهم فقالَ لَهم: «لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي؟ هاتوا دينارًا لِأَراه». ١٦فَأَتَوه بِه. فقالَ لَهم: «لِمَن الصُّورَةُ هٰذه والكِتابَة؟» قالوا: «لِقَيْصَر». ١٧فقالَ لَهم: «أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَر، وللهِ ما للهِ». فعَجِبوا لَه أَشدَّ العَجَب" (١٣-١٧).

مرة أخرى، اقترب الخصوم من يسوع، الذين يرون أنفسهم كبارًا وعلماء. لم يأتوا ليتعلَّموا، بل ليمتحنوا يسوع ويحرجوه. في زمن يسوع، كان الرومان محتلين البلاد، وكانوا يفرضون شريعتهم، ويفرضون الضرائب على الناس. الخصوم سألوا يسوع: "أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَرَ أَم لا؟ أَنَدْفَعُها أَم لا نَدفَعُها؟"

إن قال يسوع، نعم يجب أن تدفعوا الضريبة، قالوا إنه خائن للوطن متعاون مع العدو المحتل. وإن قال: كلا، لا تدفعوا الضريبة، اتهموه بالتمرد على السلطة. لكن يسوع أجاب بطريقة أخرى. قال لهم: " هاتوا دينارًا لِأَراه". فأتوه بدينار عليه صورة قيصر روما. وكان جواب يسوع واضحًا وبسيطًا: بما أنكم تتعاملون بدينار قيصر فرُدُّوا له ما هو له: " أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَر، وللهِ ما للهِ".

لله ما هو له، وللسلطة البشرية ما لها. الله فوق كل شيء. مُلهِمُ كلِّ خيرٍ وصلاح. وللسلطة البشرية ما لها، والطاعة لها، في خدمة الصالح العالم.

ونحن اليوم؟ أولا نتعامل مع الله صادقين. لا مراءاة ولا كذب في مواقفنا أمام الله. فهو الإله القدير، لا يخفى عليه شيء. نأتي إلى الله مهما كانت ظروفنا، متواضعين، متوسلين، صادقين نطلب الرحمة والنور، والهداية حتى لا نضِلَّ ولا نبتعد.

ثم جواب يسوع يهدينا في ظروفنا اليوم وفيها شيء مماثل، الاحتلال، والتعامل مع سلطات الاحتلال. المبدأ الأول نفسه: الله أولًا، فوق كل شيء، ثم السلطات البشرية، والعمل معها من أجل الخير العام. القيام بكل واجباتي تجاه الناس، ما زالوا يفرضون علينا العدل، ما زالت ليست حربًا ظالما، ولا احتلالا جائرًا.

العمل من أجل الخير العام، والتعاون مع السلطات الشرعية أو غير الشرعية أيضا للتوصل إلى العدل. المقاومة العنيفة، وسفك الدماء، والكراهية والقتل، ليست الوسيلة الوحيدة لاسترجاع العدل.

طرق الله غير ذلك. ويمكن أن تكون طرقًا للبشرية. نواجه الاحتلال العسكري، وجنودًا يظلمون الناس ويدمرون البيوت ويقتلون؟ هذه مشكلة لنا. ومشكلة للسلطة غير الشرعية نفسها. فيكون التعاون مع السلطة لحل المشكلة، مع البقاء في طرق الله.

إن غُلِبَ شعب على أمره وفُرٍضَت عليه الحرب، يدخل الشعب في الحرب، لكن الحرب تبقى شرًّا يحب شفاؤه ووقفه في أسرع ما يمكن، ويجب تبديلها بالمفاوضات.

هنا تتصادم طرق الله وطرق الناس. وأحيانا تقوى طرق الناس وطرق الموت والحرب... إلى أن تجد نهايتها، وتحصد ضحاياها. إلى أن تتعلم البشرية كيف تشفى نفسها من مرضها.

خلق الله الإنسان، كل إنسان، الظالم والمظلوم، ليكون مثله سبحانه وتعالى. خلق الله الإنسان ليُحِبّ لا ليعمل الحرب. يجب البحث دائمًا عن طرق الحياة. إن فُرِضَت الحرب، وكان لا بد من دخولها، يدخلها الإنسان بقوته أو ضعفه، ساعيًا لأن يضع لها نهاية بأسرع ما يمكن. الحرب شر دائمًا وفي كل الظروف.

الأمر صعب، إنها صعوبة واجهتها الإنسانية مدة الأجيال، وما زالت، وما زلنا نواجهها اليوم. وحروبنا اليوم أشد قساوة وأكثر شمولية. ويصعب توقيفها.

ومع ذلك نحن لا نقطع ارتباطنا بالله، ونبقى على صورة الله، قادرين على صنع السلام، مهما كانت الحرب. نبحث عن السلام مثل بحثنا عن وجه الله.

ربي يسوع المسيح، خلقتنا لنحيا حياتك معك، لنحيا لنعمل السلام والعدل. وأنت ترى حروبنا. خلصنا من الشرير يا رب. أنت القدير. ونحن معك وبك نقدر. تعال يا رب إلى إغاثتنا، وارحمنا. آمين.

الثلاثاء ٢/٦/٢٠٢٦                    بعد الأحد التاسع من السنة