آن الأوان للتوقف عن ممارسة رد الفعل والانطلاق نحو بناء استراتيجية عمل

الكاتب : رئيس تحرير موقع "القيامة"

توقفنا في مقالتنا الأخيرة عند طرح السؤال: كيف ننظر للمستقبل؟ وما هي استراتيجيتنا في التعامل مع الآخر؟ والمقصود الجماعة المسيحية في البلاد. وأعيد تأكيد ما قلته سابقا بأن الجماعة المسيحية لم تتصرف يوما كجماعة (إلا في حالات رد الفعل)، انما كجماعات مثلها مثل كنائسها، فهل يمكن الانتقال الى العمل كجماعة واحدة؟

آن الأوان للتوقف عن ممارسة رد الفعل والانطلاق نحو بناء استراتيجية عمل

طبعا وبالتأكيد يمكن ذلك اذا ما تم تصفية النوايا، والعمل الجماعي لا يكون إلا من قبل العلمانيين (جمهور المؤمنين)، لأنهم في حل من القيود المفروضة على جماعة الاكليروس من قبل رؤسائهم وتعليمات كنائسهم. وأثبت العلمانيون أنه يمكنهم العمل دون تلك القيود والتعقيدات، فهم يشعرون أنهم يتبعون لكنائس من حيث الطقوس أما الايمان المسيحي فلديهم واحد، وهم يؤمنون بمقولة السيد المسيح ودعوته لأتباعه والتي تتلخص بكلمتين "كونوا واحدا".

ومما يؤكد إمكانية ذلك أنه تمت في الفترة الأخيرة عقد عدة جلسات حوارية بين أتباع مختلف الكنائس، للنظر في واقع الجماعة المسيحية في البلاد ومستقبلها. وقد برز الهم الواحد والقلق المشترك والرؤية المتشابهة والتفكير التناسقي دون معرفة شخصية مسبقة بين المشاركين في تلك الجلسات. ومن الأهمية بمكان أن تلك الحلقات عقدت بمشاركة وتأييد عدد من رجالات الاكليروس ودعمهم، مما يؤكد أنه لا تناقض بين جمهور المؤمنين والاكليروس.

ومن الأفكار المطروحة للمستقبل مثلا النظر الى مستقبل الدولة التي تعيش فيها الجماعة المسيحية وهي إسرائيل. فهناك مجموعات اسرائيلية أكاديمية وفرق سياسية وفكرية تضع اليوم أفكارا لتقسيم البلاد الى مقاطعات جغرافية: مدن ومناطق أو كانتونات ديمغرافية: مجموعات سكانية متجانسة. تحالفات داخلية: سلطات محلية. بلاد واحدة للجميع. حكم ذاتي داخلي لقطاعات سكانية. كما كشف عنه تقرير نشر في ملحق صحيفة "هآرتس" بتاريخ 28.4.2023، ويطرح السؤال أين العرب من هذه اللعبة وخاصة المسيحيين. أين نحن من هذا؟

مسألة أخرى مطروحة للبحث وهي العلاقة مع الشركاء في الوطن والشعب: المسلمون والدروز. ماهية العلاقات، كيف نكون شعبا واحدا في ظل تمييز داخلي؟ هل ننصهر أم نحافظ على استقلالية وهوية خاصة؟ وضع تصور لمستقبلنا معا، كيف؟ أي معادلات؟ مكانة مؤثرة للمسيحيين.

ويبرز الأهم وهو أهمية وضع استراتيجية عمل للجماعة المسيحية، تشكل وثيقة أو خطوط عمل عملية وعينية ثابتة وفق ما سيخرج عن تلك الحلقات التفكيرية. لأنه من غير المعقول أن تبقى الجماعة المسيحية تعمل وفق مبدأ "رد الفعل". أو تنتظر ما سيقوله المطران أو الكاهن أو غيره؟ يجب أن يقوم مجلس علماني يمثل كافة المسيحيين جغرافيا وكنسيا وعمريا وجنسيا، يتحمل المسؤولية يبادر ويعمل وفق تلك الاستراتيجية. إيجاد مجلس كهذا لا يعمي تهديدا لأحد ولا يشكل خطرا على أحد، بل يكون مجلسا تشاوريا وموجها ومشاركا للجميع من مسيحيين وغير مسيحيين، يدعم ويساند، يشارك ويساهم. مجلس يعكس وحدة المسيحيين وارادتهم، يمثل رغباتهم وتطلعاتهم، يمثل صوتهم الكنسي والاجتماعي، هذا هو المطلوب للانطلاق بعمل يضمن بأن تتحول الجماعة المسيحية إلى كتلة واحدة تعمل بمباديء وتعاليم السيد المسيح، له المجد، وخاصة التي قدمها لنا على جبل التطويبات.