مصر في عهد عبد الناصر كانت دولة مدنية علمانية
الكاتب : فرانسوا باسيلي
في 15 يناير تحل ذكري ميلاد عبد الناصر نتذكر تجربته لنستفيد من دروسها، وأزعم، بدليل ما رأيته وعشته بنفسي لأنني "يا فتنتي مُجرِّبٌ قعيدْ" كما قال صلاح عبد الصبور، أزعم أن مصر في عهد عبد الناصر كانت أقرب إلي الدولة المدنية العلمانية منها في أي عهد آخر، لماذا؟ سأشرح..
الملك فاروق كان يريد أن يكون تتويجه في الأزهر لكي يصبح خليفة العالم الإسلامي ولكن النحاس رئيس الوزراء وقتها رفض، وكان الجهل مستشرياً فلولا النحاس لكانت مصر في العهد الملكي خلافة أو شبه خلافة، وكان مطلع القرن العشرين قد تلوث بانقسام طائفي حاد حين عقد المسلمون المؤتمر الإسلامي وعقد المسيحيون المؤتمر المسيحي، ولم يلم الشمل سوي ثورة 19 التي تجمعت القلوب حولها، ثم ظهرت جماعة الإخوان المسلمين عام 26 وراحت تبذر بذور التطرف والفتنة التي بلغت ذروتها في حرق كنيسة السويس عام 1950، وجاء عبد الناصر بتوجه وطني قومي علماني يعادي الرجعية الدينية فرأينا عبد الناصر يضع حجر أساس الكاتدرائية القبطية بجوار البابا كيرلس وتتبرع الدولة بمئة ألف جنيه لبنائها وهو مبلغ هائل في ذلك الوقت، وضربت الدولة بيد من حديد علي مظاهر الفتنة الدينية في كل مكان فلم تحدث اعتداءات عنف ضد الأقباط بعد ذلك طول عهد عبد الناصر لتعود مرة أخري بعد وفاته في حرق كنيسة الخانكة.
وكان عبد الناصر أول من تحدث بقوة ووضوح عن المواطنة والمواطن وكان يبدأ خطبه بعبارة "أيها الاخوة المواطنون" بينما قبله محمد نجيب وبعده السادات كانوا يبدأون الخطب باقحام اسم الجلالة " باسم الله" بلا مبرر في خطب سياسية وطنية ويمكنك سماع خطبهم علي اليوتيوب، وكان يقال أيامها أن المسيحي اللبناني أقرب إلي عبد الناصر من الباكستاني المسلم خاصة وأنه كان في معارك متواصلة ضد الرجعية الدينية المتمركزة وقتها في باكستان والسعودية بينما كان حلفاء ناصر هم نهرو - الهند- وتيتو -يوغسلافيا- وسوكارنو أندونيسيا، من الدول الصاعدة في حركة عدم الانحياز التي كان هو أهم قادتها في العالم، وكانت مصر هي محط انظار كل الشعوب المتطلعة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والمدهش أنها صعدت علي هذه المرتبة الرائدة خلال سنتين فقط فقد كانت مصر إحدي أهم الدول المؤسسة لمؤتمر باندونج عام 1954, وهو درس هام يوضح كيف يمكن لمصر خلال سنوات قليلة أن تنهض نهضة هائلة تضعها في الصدارة فتلفت انظار العالم عندما يكون لديها رؤية متوثبة وقيادة عصرية تجمع حولها القامات الفكرية والثقافية والعلمية المتوفرة فتتكون بها قوة قيادية واسعة شاملة هائلة.
كان عبد الناصر علمانياً وعصرياً قلباً وقالباً مقدراً للفن والفنانين بشكل هائل وكانت مصر في الخمسينات والستينات مثالاً للدولة العصرية المتوثبة المنفتحة علي العالم الخارجي، لم يسمح ناصر باستغراق المجتمع في مظاهر الهوس الديني وحارب الشطط الديني والتطرف الإخواني بوضوح وجاء بكبار مثقفي ومفكري مصر ليتصدروا الساحة الثقافية والإعلامية، وبجانب القامات الفكرية التي كانت موجودة منذ الثلاثينات والأربعينات محصورة في نخبة ثقافية شبه معزولة عن الجماهير فتحت ثورة يوليو المجال للشباب وللطاقات الشعبية الصاعدة في مناخ تحرري ثوري متوثب أثار الآمال وحفز الهمم فظهر المئات من المبدعين المميزين في كل مجال من كتاب وشعراء ومحررين رؤساء للصحف والمجلات وبرامج الإذاعة والتلفزيون وقصور الثقافة والسينما والمسرح،
فشاهدت في مصر الستينات مسرح الجيب يقدم آخر صيحات مسرح العبث مثل مسرحية "في انتظار جودو" بعد ظهورها في لندن بأشهر معدودة، وكانت نساء مصر يتمخترن بالميني جيب والميكرجيب، ودعت مصر الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر ورفيقته، دون زواج، سيمون دي بوفوار، فحضرا مكرمين إلي مصر، وكان البرنامج الثاني في الراديو يقدم بانوراما الفكر والثقافة العالمية والعربية ومنه استمتعت بأحاديث د. حسين فوزي عن السيمفونيات العالمية لبيتهوفن وموتزار وباخ وخاتشادوريان، وأسست مصر قصور الثقافة في أنحاء الجمهورية فأدخلت إلي القرى ليس فقط نور الكهرباء ولكن أيضاً نور المعرفة والثقافة والفنون.
هذه كانت مصر في عصر الريادة الحقيقية، ريادة سياسية واجتماعية وثقافية أثرت ليس فقط في البلاد العربية حيث كان لناصر شعبية جارفة ولكن في كل بلاد إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية فصارت مصر هي رائدة التحرر الإستقلال من المستعمر والانحياز للعلم والنهضة الإجتماعية والصناعية فكان المهندس عزيز صدقي يفتتح مصنعا جديداً كل يوم، وراحت مصر تنتج السيارة والغسالة والثلاجة بتجميع اجزائها المستوردة كخطوة أولي علي طريق التصنيع كما فعلت دول أخري بعد ذلك لتأسيس الصناعة القومية.
ولا يعني هذا أن عبد الناصر كان بلا أخطاء كبيرة خاصة في تأميم الشركات الصغيرة بلا مبرر ثم في كارثة 67 وأخطاء وخطايا أخري صغيرة وكبيرة أقر بها ولا أبررها كما يفعل البعض, ولكن هدفي هنا هو توضيح كيف كان توجهه الأساسي هو توجه علماني مدني عصري وفي نفس الوقت هو توجه قومي شعبي وطني خالص، فلا تضيع وقتي ووقتك في رصد أخطاء عبد الناصر فأنا أعرفها جيداً ولا أدافع عنها، ولكني لا أجعلها تعميني عن رؤية الخط الأساسي لمسيرته المصرية العربية العولمية نحو النهضة العلمية الاجتماعية الصناعية معادياً للرجعية السياسية والدينية معاً والتي كانت تحاربه من قبل الإخوان في الداخل والسعودية من الخارج،
وهكذا لم تعرف مصر قبله ولا بعده مثل هذا الإنحياز الشامل للعصرية والعلمانية والتحرر الفكري الإجتماعي، فتحية لناصر في يوم مولده، تحية لمن رسخ في نفوسنا عبارة وفكرة "أيها الاخوة المواطنون".










