بذرة في يافا وزهر في رام الله: سيرة حنّا خليل جدعون ورسالته الخالدة

الكاتب : إسماعيل عبد الحق - كاتب رأي

ليس من السهل اختصار حياة رجلٍ جعل من طموحه وعطائه صفحاتٍ متتاليةً من العمل والخدمة المجتمعية. لم يقتصر أثر المرحوم حنّا خليل جدعون على حدود عالَم المال والأعمال، بل تجاوز ذلك ليمسّ حياة الناس والمجتمع والوطن. ارتبط اسمه بمدينة رام الله، حاملاً في وجدانه جذوره العريقة من مدينة يافا، لتنسج مسيرته لوحةً متكاملة شهدت لها قطاعات الاقتصاد، التجارة، الصناعة، التكنولوجيا، والطاقة المتجددة.

بذرة في يافا وزهر في رام الله: سيرة حنّا خليل جدعون ورسالته الخالدة

نشأةٌ على قيم الالتزام
نشأ حنّا في أحضان عائلةٍ عريقة في مجالات المقاولات والتعهّدات؛ فقد كان والده المرحوم خليل جدعون من كبار المقاولين في فلسطين. ومنه تعلّم في سنينه الأولى أصول التجارة، وتشرّب قيم المسؤولية، الالتزام، والاعتماد على الذات. لم يورثه والده المهارة والخبرة فحسب، بل أورثه منظومةً أخلاقية صلبة شكّلت نواة شخصيته المستقلة.
تابع دراسته المدرسية في لبنان، ثم تحصّل على تعليمه الجامعي في المملكة المتحدة، ليعود إلى فلسطين محمّلاً بمعارف حديثة ورؤية ثاقبة تؤمن بأنّ بناء الاقتصاد والمؤسسات هو الركيزة الأساسية لبناء الوطن.
ريادة تكنولوجية سبقت عصرها
في مرحلة مبكرة كانت فيها تكنولوجيا المعلومات لا تزال في مهدها بالمنطقة، أدرك حنّا أهمية الحاسوب والتحول الرقمي. وكان من أوائل من أدخلوا هذه التقنيات إلى فلسطين، مستثمرًا إياها كأداة لتحديث المؤسسات الوطنية وتطوير الاقتصاد.
تحديث المؤسسات: أوصل الأنظمة الرقمية وأجهزة الحاسوب إلى البلديات، الجامعات، المعاهد، والشركات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
شراكات عالمية وبناء كفاءات: حصل على وكالة شركة Hewlett-Packard (HP)، وجمع حوله نخبة من المهندسين والفنيين، مساهمًا في تأسيس جيلٍ فلسطيني رائد في قطاع التكنولوجيا.
دعم اللبنات الأولى للدولة: مع تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، زوّد العديد من الوزارات والمؤسسات بالأنظمة والبرامج التي احتاجتها في مراحل التأسيس.
تطوير القطاع المصرفي: تعاون مع المرحوم هاشم الشوا (مؤسس بنك فلسطين) لتحديث البرامج والأنظمة الحاسوبية للبنك، مما ساهم في رفع كفاءته واستقلاليته المالية.


من التكنولوجيا إلى الصناعة والتجارة
لم تقف طموحات حنّا عند حدود قطاع المعلومات، بل امتدت لتشمل قطاعات صناعية وتجارية حيوية:
تأسيس مصنع RC Cola: أسس في منتصف الثمانينيات أول مصنع للمشروبات الغازية "RC Cola" في فلسطين وفق معايير عالمية، ليكون مشروعًا صناعيًا بارزًا من حيث الحجم والتجهيز، ومجسدًا لإيمانه بقدرة الصناعة الوطنية على خلق فرص العمل.
استيراد المواد الغذائية: وسّع أعماله لتشمل استيراد وتوزيع السلع الاستهلاكية، وأدخل علامات تجارية متعددة وسجّلها لدى وزارة الاقتصاد الوطني.
بصمةٌ رائدة في عالم السيارات
مع بداية عهد السلطة الوطنية الفلسطينية، اتجه نحو قطاع المحركات، حيث: حصل على أول وكالة لسيارات Land Rover البريطانية، ووفر القافلة الأولى من السيارات للمؤسسات الوطنية.
وسّع نشاطه لاحقًا ليحصل على وكالات عالمية مرموقة مثل BMW الألمانية، وRenault وDacia الفرنسيتين.
أصبح من أبرز مورّدي المركبات للمؤسسات والقطاعات الرسمية والخاصة لتطوير بنيتها التشغيلية.
الطاقة المتجددة: رؤيةٌ نحو المستقبل
استشرف حنّا مستقبل الطاقة النظيفة قبل أن تصبح توجهًا عامًا؛ فأسس وعمل رئيسًا لمجلس إدارة شركة العصر الآتي للطاقة.
قام بتطوير محطات الطاقة الشمسية وبيع الكهرباء للمؤسسات والشركات، ونفّذ مشاريع استراتيجية لصالح مؤسسات بارزة، منها:
مصنع كوكا كولا في فلسطين.
شركة الدواجن "عزيزا".
شركة القدس للمستحضرات الطبية.
الوجه الإنساني والأثر الذي لا يزول
بعيدًا عن لغة الأرقام والشركات، كان حنّا خليل جدعون إنسانًا بسيطًا متواضعًا، يرى أن قيمة المرء تكمن فيما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين.
العطاء المجتمعي: دعم الجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية. كفالة العلم: ساهم في تقديم المساعدات المالية للطلبة الجامعيين لمواصلة تعليمهم.
الإسناد الأسري: مدّ يد العون للعائلات المستورة، مؤمنًا بأن العطاء يكون بالكلمة الطيبة والموقف النبيل كما يكون بالمال.
خاتمة: رحلَ الجسدُ وبقيَ الأثر
رحل حنّا خليل جدعون، لكن مسيرته لم تنتهِ؛ إذ تتحدث عنه المشاريع التي أسسها، والمؤسسات التي ساهم في بنائها، والكوادر التي تخرجت على يديه. لقد كان نموذجًا لرجل الأعمال الفلسطيني الذي صنع من التحديات فرصًا، ومن المحدود إمكانات، ومن الحلم واقعًا يعيشه الناس.
رحم الله حنّا خليل جدعون، وأسكنه فسيح جناته، ولتبقى ذكراه حيةً في قلوب عائلته ومحبيه، وشاهدةً على رجلٍ آمن بوطنه وأخلص لإنسانيته.