بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر: السلام عليكم

الكاتب : د. أماني القرم – باحثة في السياسة الأمريكية والاسرائيلية

أن تزعج قداسة البابا، المرجع الديني الأعلى لأكثر من مليار ونصف مليار مسيحي كاثوليكي في العالم ليس بأمر هيّن أو مقبول ، فكيف الحال إذا تم انتقاده ووصفه بصفات غير لائقة. هذا هو ترمب لا خطوط حمراء أمام المصلحة والنرجسية المفرطة. فمن يهدد حضارة بأكملها بالإبادة يعيش فيها 350 مليون انسان لا عجب أن ينشر صورة يتشبه فيها بشخصية على هيئة السيد المسيح. صحيح أن الصورة التي نشرها ترمب سرعان ما تمت إزالتها بعد الجدل الكبير الذي ساد الأوساط المسيحية الأمريكية والعالمية. لكنها لم تكن المرة الأولى التي يجسد فيها ترمب رمزا دينيا، فقد سبق أن جسد شخصية بابا الفاتيكان في منشور آخر على منصته وهو يرتدي الملابس البيضاء التقليدية ويضع صليبا ذهبيا على صدره في أعقاب وفاة البابا الراحل فرنسيس ومشاورات اختيار البابا القادم.

بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر: السلام عليكم

ليس جديداً الخلاف بين ترمب ورأس الكنيسة الكاثوليكية، لكن اللافت للنظر هذه المرة هو رد البابا ليو الرابع عشر على انتقادات ترمب الفجة،  فهو لم يتجاوزها كون هذا الأخير معروف عالميَّا بتطاوله على أيّ كان، إنما تعامل مع المسألة بلغة قوية وحاسمة ومتحدية جدا في الرد قائلاً: "ليس لدي خوف من ادارة ترمب" . فماذا يعني ذلك ؟
أولا:  أن بابا الفاتيكان ملتزم ومصر على الاستمرار بنهجه القاضي بالدعوة لإسكات صوت الأسلحة في أوكرانيا وغزة وإيران، وذلك بحكم ما تقتضيه مسيحيته وأخلاقياته وقناعاته المتجذرة والنابعة من خبراته العلمية والعملية، ولن يتنازل عن أي من مبادئه رغم التهديدات من ترمب وإدارته ومطالبتهم إياه بدعم الحرب على إيران وهو ما رفضه رفضًّا تامًّا مشيراً إلى أن الله لا يمنح البركة للحروب والدماء.  
ثانيا: إن الجدل بين البابا ليو الرابع عشر ودونالد ترمب ليس عابرا بل هو خلاف واختلاف فكري وقيمي بين نقيضين لديهما وزن ونفوذ هائل في العالم . الاول يدعو إلى وضع حدود للقوة والغطرسة والسلطة  أو كما سماها "وهم القوة المطلقة" من منطلق أن المسائل تتعلق بالمبادئ والأخلاق والانسانية. والثاني يمثل كل ما له علاقة بالمصالح والأنا والرأسمالية المتوحشة. لكن هناك فارق مصيري بينهما، فالبابا ليو الرابع عشر لا يسعى للفوز في الانتخابات وللسيطرة على النفط والأموال، على عكس الآخر الذي بات يشعر بالتهديد الذي تمثله السلطة البابوية وتوجهاتها على مصيره الشخصي ومجده السياسي. ولهذا يمثل البابا في نظر ترمب القوة الموازية المؤثرة والوحيدة في عالم يفتقد قوة عالمية توقف توحش ترمب ومصالح المليارديرات حوله.
ثالثا: لم يتدخل قداسة البابا ليو الرابع عشر في السياسة، لكن ترمب هو الذي استخدم الدين في السياسة، فعندما يبرر حروبه بأنها مهمّة إلهية وحرب روحية، ويصف عملية انقاذ الطيارين في إيران بأنها معجزة عيد الفصح ويصلي مع فريقه صلوات المباركة قبل شن العمليات العسكرية. وهو ما يرفضه البابا تماما بل ويقول أن "الله لا يقبل صلوات من يشنون الحروب" وأن جوهر الرسالة المسيحية هو "طوبى لصانعي السلام"، وأن الاعتماد على الحروب والأسلحة الفتاكة هو "وثنية عسكرية".
يزور البابا ليو الرابع عشر هذه الأيام الجزائر وأفريقيا في زيارة تاريخية تحت شعار السلام عليكم . سلام على الأخوة المسيحية الإسلامية وعلى القيادة الأخلاقية .