أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَرَ، ولِلهِ ما لِله - مرقس ١٢: ١٣-١٧

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

الحرب ٢٣٩ "قد عَلِمتُ أَنَّ الرَّبَّ يُجْري الحُكْمَ لِلبائسين والقَضاءَ لِلمَساكين. أَجَل، الأَبرارُ يَحمَدونَ اسمَكَ والمـُستَقيمونَ يُقيمونَ أَمامَكَ" (مزمور ١٤٠: ١٣-١٤). ارحمنا، يا رب. نعم، يا رب، "سَتُجْري الحُكْمَ لِلبائسين والقَضاءَ لِلمَساكين". في غزة وفي رفح وفي كل الأرض المقدسة، البائسون والمساكين، كثيرون، ينتظرونك. وكما في زمنك، يا رب، لما كانت الجماهير تأتي إليك تطلب الشفاء، إنها تتهافت عليك البوم تطلب الخبز. يوجد مَن عنده "خمسة أرغفة وسمكتان"، لكن زعماء الحرب يمنعونه من مقاسمتها مع الجموع الجائعة. أيها الرب يسوع، يجب أن تكون حاضرًا بيننا لنجد أخُوَّتَنا، ونتقاسم خبزنا كما في زمنك. أيها الرب يسوع، البائسون والمساكين في غزة ورفح ينتظرونك "لتُجْري لهم الحُكْمَ والقَضاءَ"، ولتعطيهم الخبز والسلام الذي لا يقدر العالم أن يعطيه. ارحمنا، يا رب.

أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَرَ، ولِلهِ ما لِله - مرقس ١٢: ١٣-١٧

إنجيل اليوم

١٣ وأَرسَلوا إِلَيهِ أُناسًا مِن الفِرِّيسيِّينَ والهِيرودُسِيِّين لِيَصطادوه بِكَلِمَة. ١٤ فأَتَوه وقالوا له: يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادِقٌ لا تُبالي بِأَحد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس، بل تُعَلِّمُ سبيلَ اللهِ بِالحَقّ. أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَرَ أَم لا؟ أنَدْفَعُها أَم لا نَدفَعُها؟ ١٥ ففَطِنَ لِرِيائِهم فقالَ لَهم: لماذا تُحاوِلونَ إِحراجي؟ هاتوا دينارًا لأَراه. ١٦ فَأتَوه بِه. فقالَ لَهم: لِمَنِ الصُّورَةُ هذه والكِتابَة؟ قالوا: لِقَيْصَر. ١٧ فقالَ لَهم: أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَرَ، ولِلهِ ما لِله. فعَجِبوا لَه أَشدَّ العَجَب.      

 "لِيَصطَادُوهُ بِكَلِمَة"، نجد مرارًا أنفسنا في الإنجيل مع هذا الموقف السلبي. لا يريدون أن يتعلَّموا. لا يريدون أن يسمحوا لله بأن يعلِّمَهم. لا يريدون أن يعرفوا. يفضِّلون البقاء في ما هو "الأسهل" لهم. يفضِّلون أن يجهلوا ما يقول الله، وأن يبقوا وحدهم ليفهموا الحياة، بحسب ما يريحهم. لأن الحقيقة صعبة. وسماع الله وقبول الدعوة إلى التوبة أمر صعب.

         قال صاحل المزمور: "مِنَ السَّماءِ أَطَلَّ الرَّبُّ على بَني آدَم لِيَرى هل مِن عاقِلٍ يَلتَمِسُ الله. لقدِ اْرتَدُّوا جَميعًا ففَسَدوا ولَيسَ من يَصنعُ الصَّالِحاتِ ولا واحِد" (مزمور ١٣: ٢-٣). يسوع أيضًا في زمنه، لم يجد مرارًا "عاقلين" يبحثون عن الله. بل وجد أشخاصًا يريدون أن "يَصطَادُوهُ بِكَلِمَة".

        ونحن، على أي جانب نحن؟ بين العاقلين الذين يبحثون عن الله؟ أم وحدنا، بعيدين عن الله؟ هل نؤمن نظريًّا؟ هل إيماننا عادةٌ مع الجماعة، نؤمن ونلاقي الله في كل خطوة، لكن أعماق قلبنا، ومختلف نوايانا، ومشاعرنا، وأفكارنا، وأعمالنا في كل يوم، خالية من الإيمان؟  أين نحن؟ بين العاقلين نبحث عن الله، أم وحدنا بين "غير العاقلين"؟

        "ففَطِنَ لِرِيائِهم فقالَ لَهم: لماذا تُحاوِلونَ إِحراجي؟ هاتوا دينارًا لأَراه. فَأتَوه بِه. فقالَ لَهم: لِمَنِ الصُّورَةُ هذه والكِتابَة؟ قالوا: لِقَيْصَر. فقالَ لَهم: أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَرَ، ولِلهِ ما لِله. فعَجِبوا لَه أَشدَّ العَجَب"(١٥-١٧).

        موضوع السؤال عن السلطات السياسية في ذلك الزمن. وهذا هو المكان الوحيد الذي يتكلم فيه الإنجيل عن موضوع سياسي. يسوع يتجاهل إجمالًا الوضع السياسي، والاحتلال الروماني. علَّم وأعطى مبادئ، وبيَّن لجماعات الناس ولشعوب الأرض كيف يتعاملون بعضهم مع بعض: أعطانا وصية المحبة، والتطويبات، ومحبة الأعداء. لكنه لم يذكر الوضع السياسي مباشرة. – مرة ثانية، كلَّمه مخاطبوه عن المقاومة، قالوا له: "وفي ذلِكَ الوَقتِ حَضَرَ أُناسٌ وأَخبَروهُ خَبَرَ الجَليليِّينَ الَّذينَ خَلَطَ بيلاطُسُ دِماءَهم بِدِماءِ ذَبائِحِهِم" (لوقا ١٣: ١).

        ولم يجبهم يسوع بالكلام على المقاومة. بل تكلم على الخطيئة والتوبة: "أَتظُنُّونَ هؤلاءِ الجَليليِّينَ أَكبَرَ خَطيَئةً مِن سائِرِ الجَليليِّينَ حتّى أُصيبوا بِذلك؟ أَقولُ لَكم: لا، ولكِن إِن لم تَتوبوا، تَهلِكوا بِأَجمَعِكُم مِثلَهم" (لوقا ١٣: ٢-٣). وترك لمخاطبيه أن يستخلصوا النتائج هم، بناء على تعاليمه.

        وفي هذه الحال أيضًا، في إنجيل اليوم، أعطى يسوع سائليه المبدأ: تعلَّموا من الله، واسمعوا ما أعلِّمكم، واعرفوا كيف تتعاملون بعضكم مع بعض في الحروب وفي المقاومة وفي السلام: " أَدُّوا لِقَيصَرَ ما لِقَيصَرَ، ولِلهِ ما لِله" (١٧).

        التعامل مع الله، الخالق، سيد الأكوان، ومع الناس، بحسب وصية المحبة، فهي تهدي الناس حتى في حروبهم ومظالمهم.

        ربي يسوع المسيح، اهدِنا، أعطنا أن نقبل نورك. نحن اليوم أيضًا في الحالة نفسها، في حالة مقاومة سياسية، علِّمْنا لكي نَعلَم، ولكي نعرف في نور وصيتك، أن نحب وأن نقاوم ونطالب بحريتنا. آمين.

الثلاثاء ٤/٦/ ٢٠٢٤           

  بعد الأحد التاسع من السنة