"تحدّي المحبّة" للكاتبة: جاكلين حداد بين دلالة العنوان وتوظيف التجربة في بناء المعنى

الكاتب : رياض نبيه مخول - البقيعة

يمثّل عنوان "تحدّي المحبّة" العتبة المفهوميّة الّتي يدخل منها القارئ إلى عالم الكتاب، فالعنوان ليس وصفيًّا بقَدْر ما هو إطار دلاليّ موجِّه يختزل فلسفة العمل كلّه. فالمحبّة هنا لا تُقدَّمها جاكلين على أنّها قيمة جاهزة أو شعور مريح، بل تقدّمها باعتبارها تجربةً إنسانيةً عامةً، تتجاوز الخصوصيّاتِ الفرديّةَ بما تنطوي عليه من تعقيد وتعدّد في الأبعاد، يتقاطع فيها الداخليُّ مع الاجتماعيّ، والروحيُّ مع السلوكيّ، والمبدئيُّ مع اليوميّ. ومن ثَمّ فإنّ كلمة "تحدّي" لم تُستخدم كنوع من التزيين اللّغويّ، بل هي في رأيي المتواضع المِفتاحُ الّذي يكشف طبيعةَ المشروع الفكريّ لهذا الإبداع كلّه: تحويلِ المحبّة من فكرة مثاليّة إلى ممارسة يوميّة تُختَبرُ في أدقّ تفاصيل الحياة.

"تحدّي المحبّة" للكاتبة: جاكلين حداد بين دلالة العنوان وتوظيف التجربة في بناء المعنى

تتجلّى أولى دلالاتِ هذا العنوان في كونه يكشف عن طبيعة الصراع الداخليّ الّذي يعيشه الإنسان مع ذاته؛ فالمحبّة، كما تقدّمها الكاتبة جاكلين، ليست حالةً تلقائيّةً عفويّةً، بل هي موقف يتطلّب مجاهدة ضدّ النزعات الداخليّة مثلِ الأنانيّة، والحسد، والمقارنة، وسوء الظنّ. ويتّضح هذا البعدُ في القصص الّتي تُوردها، وكيف يتحوّل الشعور بالنقص إلى رفض أو حسد أو انغلاق على الذات. ففي قصّة الشابّ داخل المخيّم مثلًا (ص 117-118)، لم يكن الاضطرابُ في العلاقة ناتجًا عن فعل خارجيّ، بل عن إحساس داخليّ بالمقارنة مع الآخر. وعندما انكشف له أنّ مشاعرَه تعود إلى إحساسه بالنقص، تحوّل الفهمُ إلى بداية تصالح داخليّ. هنا يتجسّد "التحدّي"؛ لأنّه يصوّر مواجهة مع الذات قبل أن يكون مواجهة مع الآخرين.

ومن الدلالات العميقة أيضًا أنّ العنوان يشير إلى تحدّي كسر المفاهيم التقليديّة للمحبّة. فالمحبّة في التصوّر الشائع غالبًا تُفهم فهمًا ضيّقًا محدودًا على أنّها علاقة انتقائيّة تقوم على القرب أو التشابه، لكنّ ما ورد من أمثلة داخل الكتاب يجعلنا ندقّق في تعريفها جذريًّا. ويتجلّى ذلك في استحضار مثل "السامريّ الصالح" (ص 22-25)، حيث لا تعود قيمة الإنسان مرتبطة بانتمائه الدينيّ أو الاجتماعيّ، بل بالفعل الرحيم الّذي يقدّمه؛ فبينما مرّ الكاهن واللاوي دون استجابة، جاء السامريّ ليجسّد المحبّة، إذ تتمثّل في إنقاذ الإنسان بالفعل لا بالأقوال، بهذا المثال يتحوّل العنوان إلى دعوة لتحدّي الانتماءات الضيّقة وإعادة تعريف "القريب" على أنّه إنسان يمثّل الرحمة ويحتاج إليها دائمًا.

ويمتدّ هذا التحدّي ليأخذ بعدًا ثالثًا هو تحويل الإيمان إلى ممارسة يوميّة. فالكاتبة لا تفصل بين محبّةِ الله ومحبّة الإنسان، بل تقدّم العلاقة بينهما بحيث تكوّن وحدة واحدة متكاملة لا تنفصل. ويتّضح هذا في الانتقال من النصوص الإنجيليّة مثل "أحبّ قريبك كنفسك" إلى تطبيقات حياتيّة دقيقة تتمحور في طريقة الكلام، وفي ردّات الفعل، وفي تفسير تصرّفات الآخرين؛ تقول هي في مقدّمة الكتاب" " ما أقدّمه ليس بحثًا علميًّا تجريبيًّا، إنّما دراسة تناقش عيشنا المحبّةًَ بشكل عمليّ مع الآخرين في الحياة الواقعيّة، وسأتطرّق في هذا إلى مواقفَ وسياقات متنوّعةٍ في الحياة تجمعنا مع غيرنا وسْط ظروف مختلفة في حياتنا وحياتهم الّتي قد تكون على تفاوت أيضًا؛ أقوم بنبش هذه المواقف ومناقشتها. أطرح رؤًى نفسيّة إدراكيّة وأفكارًا تساعدنا في تنظيم وجودنا مع الآخرين[...] وأقدّم مقترحاتٍ سلوكيّةً بها نستطيع التحرّك معهم في مواقفَ حياتيّةٍ شتّى إيجابيّة "؛ وهكذا، فالمحبّة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة الإنسان على أن يضبط لسانه حين يغضب، وأن يفسّر موقفًا سلبيًّا بحسن نيّة بدل سوء الظنّ. وهنا يصبح "التحدّي" تحويلَ المقدّس إلى سلوك يوميّ ملموس.

ولعلّ أحد أهمّ تجلّيات دلالة العنوان يظهر في نقد ثقافة المقارنة بين الناس. فالنصّ يقدّم أمثلةً متعدّدةً من الحياة اليوميّة تُظهر كيف تتحوّل المقارنة إلى مصدر ألم داخليّ. ففي تجربة الصديقة الّتي كانت تشعر بالنقص لعدم حصولها على شهادات عليا، تكتشف لاحقًا أنّ قيمتها الحقيقيّة تكمن في محبّة الناس لها وتقديرهم الإنسانيّ (ص120)؛ هذا المثال لم تقدمه جاكلين على أنّه قصّة شخصيّة، بل تكشف من خلاله عن فلسفة كاملة: أنّ الإنسانَ لا يُقاس بمعايير التفوّق الظاهريّ، بل بفرادته الإنسانيّة. وهنا يتحوّل "التحدّي" إلى دعوة لتحرير الذات من سجن المقارنات الاجتماعيّة.

كما يتجلّى العنوان في بُعده الاجتماعيّ الواسع، حيث تتحوّل المحبّة إلى قوّةٍ بنّاءةٍ تُسهم في ترسيخ تماسك المجتمع، متجاوزةً حدود كونها شعورًا فرديًّا؛ فحين تتحدّث الكاتبة عن مواقفَ مثل الوقوف الخاطئ للسيارات، أو استهلاك السلع بشكل أنانيّ، أو الإضرار بالممتلكات العامّة (ص 90-92) (ص 101)، فهي لا تقدّم أمثلة عابرة، بل تكشف من خلالها أنّ المحبّة تُختبر أيضًا في السلوك المدنيّ اليوميّ. فاحترام النظام العامّ والقوانين، والمحافظة على البيئة، ومراعاة حقوق الآخرين، كلّها تتحوّل إلى صور عمليّة للمحبّة. ومن هنا يصبح "التحدّي" هو الانتقال من الأخلاق النظريّة إلى المسؤوليّة الاجتماعيّة الفعليّة.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا حين تُستحضَرُ الشواهدُ التاريخيّةُ كتجربة نهضة ألمانيا بعد الحرب (ص93-94)، حيث ارتبط التقدّم بالأمانة والعمل الجماعيّ وتقديم المصلحة العامّة. هذا المثالُ يوسّع أفق المحبّة من نطاق الفرد إلى نطاق الحضارة، ليصبح التحدّي هنا هو بناء مجتمع يقوم على قيم التعاون لا على الصراع الفرديّ.

ولا يغيب البعد التربويّ في هذا السياق، حيث تُستخدم القصص الكتابيّة مثل قصة آدم وحواء لتوضيح جذور المشكلة الإنسانيّة، المتمثّلة في تضخّم الذات والرغبة في التفوّق على الآخر (ص114)، بينما تُستخدم في المقابل قصّة قايين وهابيل (ص114-115) لتجسيد كيف يتحوّل الحسد إلى عنف مدمّر. هذه الأمثلة لا تُقدّمها جاكلين كسرد دينيّ، بل تقدّمها نماذج تحليل نفسيّ وأخلاقيّ تشرح كيف تنشأ العداوات حين تغيب المحبّة. وهنا يظهر التحدّي كضرورة مهمّة لمعالجة جذور الشرّ داخل النفس الإنسانيّة.

لم يكن توظيف الكاتبة للقصص والتجارب الشخصيّة والأمثلة الواقعيّة والآيات الروحانيّة من أجل التنويع في أساليب العرض، بل شكّل ذلك وسيلة حجاجيّةً وتربويّةً هدفت إلى تعزيز فاعليّة توجيه الخطاب وترسيخ الرسالة في ذهن السامع أو القارئ (المتلقّي)، حيث تعزّز أثرها الوجدانيّ والفكريّ فيه، ويمكن تلخيص هذا التوظيف في ثلاثة جوانب أساسيّة يمكن أن تتفرّع منها  جوانب أخرى؛ فقد أسهمت هذه الأساليب في تجسيد المفاهيم المجرّدة (أوّلًا)، إذ انتقلت بالمحبّة من كونها قيمةً نظريّةً إلى ممارسةٍ حياتيّةٍ ملموسةٍ تتجلّى في المواقف والسلوك اليوميّ، ممّا سهّل استيعابها وربطها بالواقع. كما أدّت (ثانيًا) إلى تعزيز مصداقيّة الطرح من خلال الاستناد إلى الخبرة الإنسانيّة والواقع الّذي يعيشه الإنسان، وهذا ما منح الأفكار بعدًا تطبيقيًّا وأكسبها قوّةً إقناعيّةً أكبر من الوعظ أو التنظير المجرّد. وإلى جانب ذلك (ثالثًا) أسهمت هذه الأساليب في إحداث أثر وجدانيّ عميق؛ فالقصص والنماذج الإنسانيّة والكتابيّة تستثير التأمّل الذاتيّ، وتحفّز القارئ على مراجعة مواقفه وسلوكيّاته، كما تجعل الرسالة أكثر رسوخًا في الذاكرة بفضل ما تتميّز به من صورٍ وأحداثٍ وشخصيّاتٍ يسهل استدعاؤها. وبذلك نجحت الكاتبة في توظيف هذه الوسائل على اعتبار أنّها أدواتٌ تعليميّةٌ وإقناعيةٌ متكاملة، جمعت بين الإيضاح والإقناع والتأثير، وأسهمت في ترسيخ فلسفة المحبّة لأنّها قيمة قابلةٌ للفهم والتطبيق والممارسة.

أهميّة استخدام اللّغة السلسة والمرنة والراقية في نجاح هذا التوظيف

لم يكن هذا التوظيف ليحقّق أثره لولا اللّغةُ الّتي كتبت بها الكاتبة؛ فقد جاءت لغتها واضحة، سهلة مرنة، قريبة من القارئ، بعيدة عن التعقيد والاصطلاحات الفلسفيّة الجافّة. فاللّغة السلسة تجعل الفكرة تصل إلى العقل بسهولة، وتسمح للقارئ بأن يتابع تسلسل الأفكار دون عناء. كما أنّها تجعل القصص والتجارب أكثر قربًا من النفس، فيشعر القارئ أنّه يعيش أحداثها، لا أنّه يقرأ نصًّا وعظيًّا أو أكاديميًّا مجرّدًا.

ومن هنا كان وضوح اللّغة عنصرًا أساسيًّا في نجاح النصوص؛ إذ قرّبت المفاهيم الروحيّة والإنسانيّة على اختلاف مستوياتهم الثقافيّة " هي لغة تفاوضيّة مع القارئ في أجزاء منها" كما تقول هي في نهاية مقدّمة الكتاب.  كما أنّها ربطت بين التعليم الدينيّ وواقع الحياة، وجعلت رسالة المحبّة أكثر تأثيرًا وإقناعًا. فالكاتبة لم تعتمد على قوّة الفكرة وحدها، بل جمعت بين الفكرة العميقة، والمثال الواقعيّ، واللّغة الواضحة، فكان هذا التوازن من أبرز أسباب نجاح كتاباتها في ترسيخ قيمة المحبّة لأنّها ممارسة يوميّة، بعيدة عن المفاهيم النظريّة.

وبذلك يتّضح أنّ عنوان "تحدّي المحبّة" ليس مدخلًا للنصّ فقط، بل هو خلاصة فلسفته العميقة: فالمحبّة ليست حالة سهلة، بل مسار من المجاهدة الداخليّة، وإعادة بناء للعلاقات الإنسانيّة، وتحوّل في طريقة النظر إلى الذات والآخر والعالم. وكلّ مثال ورد في الكتاب - من السامري الصالح إلى التجارب الشخصيّة إلى المواقف اليوميّة يعمل على تأكيد هذه الفكرة المركزيّة: أنّ المحبّة لا تُمنح، بل تُمارَس، ولا تُعلن، بل تُختبر، ولا تُفهم، بل تُعاش في قلب التحدّي.

وخلاصة القول، إنّ ما ورد في كتاب جاكلين يتجاوز الوعظ الأخلاقيّ التقليديّ لتلتقي مع مبادئ علم النفس الإيجابيّ؛ إذ تهدف في كلّ ذلك إلى بناء إنسان متوازن نفسيًّا وروحيًّا، يطوّر قدراتِه، ويحسّن أداءه، ويقيم علاقاتٍ إنسانيّةً صحيّة، ويعيش حياته بمعنى ورسالة. ومن خلال ترسيخ قيم المحبّة، والتسامح، وقبول الذات والآخر، والعمل من أجل الخير العامّ، تقود القارئ إلى تحقيق أهدافه والشعور بالرضا والاكتفاء، وهو ما يشكّل جوهر الحياة الإنسانيّة المزدهرة الّتي ينادي بها علم النفس الإيجابيّ.

وفي زمننا الراهن الرديء هذا، بما يشهده من اضطراباتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ وتراجعٍ في القيم، تبدو الرسالة - في نظري- الّتي قدّمتها الكاتبة جاكلين أكثر إلحاحًا من أيّ وقتٍ مضى. فهي لم تكتب نصًّا وعظيًّا فقط، بل قدّمت مشروعًا إنسانيًّا وتربويًّا يحمل رسالةً تستحقّ أن يتبنّاها كلّ مسؤولٍ، وراعٍ، وقائدٍ وأمّ وأب؛ لأنّها تدعو إلى بناء الإنسان قبل بناء المؤسّسات والجمعيّات والاتّحادات الثقافيّة، وإلى ترسيخ قيم المحبّة، والتسامح، وقبول الآخر، وتحمّل المسؤوليّة، والعمل من أجل الخير العامّ. إنّ هذه الرسالة، بما تنطوي عليه من أبعادٍ نفسيّةٍ وأخلاقيّةٍ وإنسانيّة، تمثّل أساسًا صالحًا للنهوض بمجتمعنا وبالمجتمعات عامّة، وتسهم في إعداد أفرادٍ أكثر اتّزانًا ووعيًا وقدرةً على صناعة مستقبلٍ أفضل؛ وهذا ما نرجوه ونتوخّاه ونصلّي لأجله دائمًا.

الملتقى: نصّ المداخلة التي ألقاها الكاتب رياض مخول، في أمسية اطلاق كتاب الكاتبة جاكلين حدّاد "تحدّي المحبّة"، في قرية الجش مساء السبت الماضي 11 تموز الجاري. (تصوير موقع أهلا)