كنيسة حمود الكرك
الكاتب : برنارد سابيلا - القدس
يبدو وكأن تاريخًا كاملًا، وتجربة عمرٍ من العيش جنبًا إلى جنب، قد مُحيا بفعل الهجوم على كنيسة حمود في الكرك، حيث أطلق مسلحون النار عشوائيًا على أشخاص كانوا يشاركون في جنازة، لمجرد أنهم مسيحيون، ولأن متطرفين يعدّونهم من غير المؤمنين. لكن المتطرفين، أيًّا كانت توجهاتهم، لا يستطيعون محو تاريخ المجتمعات التي تقاسمت الأرض والحكايات في قرانا وبلداتنا ومدننا في أنحاء الشرق الأوسط. ويمكن للحوار واللقاءات بين أتباع الديانات أن تكون ذات معنى لدى المتعلمين والمنفتحين، والراغبين في فهم الآخرين ومدّ جسور التواصل معهم. أما المتمسكون بالتطرف، فليس من السهل إقناعهم بتغيير أفكارهم.
غالبًا ما يكون المسيحيون وغيرهم من الأقليات الدينية والعرقية في الشرق الأوسط من أكثر فئات المجتمع عرضة للخطر. وقد يصبحون أهدافًا سهلة، فيلحق الأذى بهم، كما تهز الهجمات المجتمع وتهدد مؤسسات البلاد وقيادتها.
إن ردود الفعل على الهجوم في كنيسة حمود بالكرك لا تمثل، بحد ذاتها، تحولًا نوعيًا في العلاقات بين أتباع الديانات. لكن من تأثروا مباشرة بالمجزرة أكدوا من جديد عمق الروابط التي تجمعهم بالمجتمع الأوسع، وهذا أمر مهم. فقد حملت زيارة جلالة الملك عبدالله إلى المستشفى الذي عولج فيه المصابون رسالة قوية مفادها أن الأردنيين متساوون، وأن كل أردني يتعرض للإرهاب يستحق الرعاية والمساندة. كما أكدت الزيارة أن الأردن لن يتسامح مع أي اعتداء إرهابي. ومن المطمئن التأكيد على ملاحقة المسؤولين عن الجريمة ومحاسبتهم وفقًا للقانون، كما أن مواقف التضامن التي عبّر عنها مسلمون في عمّان وسائر أنحاء الأردن تستحق الإشادة.
إن الوقوف عند مدخل المسجد الحسيني الكبير في عمّان وتلاوة سورة الفاتحة ترحمًا على ضحايا الهجوم المروّع كان موقفًا قويًا للتضامن مع سائر الأردنيين. كما عبّر معلّقون في التلفزيون الأردني ووسائل الإعلام الأخرى عن الوحدة والتكاتف في وقت من الحزن الوطني. وهذه المواقف تبعث على العزاء.
ومع ذلك، يقلقني خفوت أصوات بعض رجال الدين والشخصيات العامة في أنحاء الشرق الأوسط، ممن يختارون عدم التعليق على مثل هذا العنف أو إدانته. وقد شهدنا ذلك من قبل، بعد مجازر ارتُكبت في مصر وسوريا وغيرها من بلدان منطقتنا، وقُتل فيها مسيحيون وأفراد من أقليات أخرى. وقد يعكس هذا الصمت رفضًا للاعتراف بالآخر أو اعتبار معاناته شأنًا يعني الجميع. ولا جدوى كبيرة من تذكير من يختارون الصمت بأن العنف، حين يتجاوز الحدود الدينية والعرقية والوطنية في بلداننا العربية الحبيبة، ستطال عواقبه الجميع، وستؤثر في طبيعة الحياة وجودتها داخل مجتمعاتنا.
إن احترام الآخرين والتعاطف معهم في أوقات المآسي لا يعنيان خيانة المرء لدينه أو معتقداته. بل على العكس، إنهما يجسّدان إنسانية تلك المعتقدات وعظمتها.
إن البديل عن شرق أوسط جامع هو شرق أوسط إقصائي، تنقطع فيه العلاقات بين الناس عبر الانقسامات الدينية والعرقية والوطنية. وهو تصور يقوم على رفع شأن دين بعينه عبر الانتقاص من الأديان الأخرى. وهذا لا يمكن أن يكون طريق المستقبل؛ فالمجتمعات المنقسمة لا تستطيع الصمود. وإذا دفعت الهجمات والمجازر المسيحيين وغيرهم من الأقليات إلى مغادرة أراضٍ عاشت فيها مجتمعاتهم قرونًا، فإن المجتمع بأسره هو الخاسر. ويذكّرنا الأطباء وغيرهم من الشخصيات البارزة الذين قُتلوا في هجوم كنيسة حمود بالكرك بأن كل حياة تُزهق بفعل الإرهاب تحرم المجتمع من أشخاص يسهمون في الصحة والرعاية وتحسين جودة الحياة للجميع، بصرف النظر عن الدين أو الخلفية.
آمل وأدعو الله أن تكون هذه الحادثة الأخيرة من نوعها، وأن يشجع المثال والشجاعة اللذان أظهرهما ملك الأردن وقيادته في مواجهة هذا الاعتداء، الجميع على العمل من أجل برامج تعليمية واجتماعية وثقافية تعزز روح التكاتف بين أتباع الديانات. فبدون هذا التكاتف، لا تستطيع مجتمعاتنا وبلداننا البقاء أو الازدهار في المستقبل.
رحم الله من رحلوا، ومنح المصابين في هذا الهجوم المروّع الشفاء والعزاء.







